يا عزيزى...كلنا سياسيون
حلمنا بعد أن انتصرت ثورة 25 يناير أن تعود حياتنا إلى طبيعتها بعد إزاحة هذا الحمل الثقيل الذى قيد حريتنا وفعل بنا الأفاعيل سنوات طويلة .
لكن أظن أن هذا حلم بعيد المنال بعد أن أصبحت السياسة جزءا أساسيًا من يومنا كالطعام والشراب والنوم، بل أحيانا أهم منهم جميعا .
فإذا ذهبت إلى العمل لابد من النقاش السياسى الحاد ربع وقت العمل على الأقل وهؤلاء حازمون وأولئك مُرسيون أما تلكم فهم الفلول الملاعين أعداء الوطن .
ونفس الحال بالنسبة للطالب فى مدرسته والطبيب فى عيادته وحتى ربات البيوت حين يجتمعن بعد أن كان حديثهن ينصب فى أغلب الأحيان على أحدث صيحات الموضة والمأكولات وأدوات المطبخ أصبح الحديث لا يبعد عن السياسة إلا قليلًا .
فإذا ذهبت إلى الميكانيكى لإصلاح السيارة فتجد نفسك عند سياسى محنك يبرر لك ما يفعله كل طرف وكأنه كان متواجدًا أثناء صنع القرار، والويل لك إذا ذهبت إلى حلاق لتجده أبرع فى تحليل الواقع السياسى من نظيره الميكانيكى ويفند لك ما يجهله الجميع سواه، وهذا هو الحال بالنسبة للعامل فى مصنعه وسائق التاكسى والمحامى وكل من تتعامل معه فى حياتك.
وحقيقة الأمر ليس هذا ما كان يحلم به المصريون – أو أغلبهم – منذ بدأت الثورة حتى يومنا هذا فكل منا يريد أن تعود حياتنا إلى ما قبل 25 يناير ولكن بدون النظام الذى كان مفروضًا على كبيرنا وصغيرنا وآلته البوليسية الغاشمة. فنحن نحلم أن نعود إلى حياتنا الهادئة التى تحتك بالسياسة قليلًا ولكنها لا تملأ قلوبنا .
نحلم أن نعيش فى مصرنا التى كانت منازل الجيران كلها منازلك لا مصر التى تقاطع فيها جارك لأنه يخالفك فى التوجه السياسي.
نحلم بمصرنا التى لا تعرف فيها مسلمًا ولا مسيحيًا إلا وهم فى المساجد والكنائس ليست مصر التى كل انتخابات فيها أصبحت انتخابات على الديانة بغض النظر عن موضوع الانتخابات أصلًا.
نحلم بمصرنا التى كانت تجمعها المناسبات الاجتماعية والدينية لا مصر التى تفرقها أى مليونية بين مؤيد ومعارض. نحلم بمصرنا التى كان الذهاب إلى عملك فيها كأنك ذاهب فى نزهة وليست مصر التى أصبح فيها العمل حملًا لأنك ستضطر إلى السماع لهذا الثورى أو ذلك الفلول. نحلم أن ننسى تصنيفاتنا الكثيرة المعقدة ونعود كما كنا مصريين فقط ونضع قناعاتنا واعتقاداتنا بداخلنا ولا نفرضها على بعضنا لنحيا كما نحلم .
نحن شعب أصيل نرضى بالقليل فهل القليل كثُر علينا ؟؟؟!!
