إذا المصرىُّ يوما أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر.. عمار على حسن: تاريخ أرض الكنانة الطويل يجسد ملحمة من المقاومة والثورة والاحتجاج.. وعماد أبوغازى: كثير من الثورات لم تكتمل أو تم اختطافه
احكم يا شعب، احكم يا شعب، وخد بنفسك مكانك، الأمر صعب، والنهي صعب، امسك بيدّك ميزانك، احكم وقول، يا بلادي كوني سعيدة، عيشي في أيام مجيدة، واحكم يا شعب.. "من إبداع صلاح جاهين"، وإذا الشعب يوما أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر " من رائعة أبى القاسم الشابى"، والتاريخ يقطع بأن المصرى إذا يوما أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر، وإرادة الشعوب من إرادة الله، وإرادة المصريين لم تكسرها يوما آلهة الفراعنة، بل هم الذين كسروها وهزموا قدسيتها الزائفة، وهم من ثاروا ضد الطغاة، وضد البغاة، وضد الغزاة، وضد الظلم، وضد سلطة زائفة تحكمهم باسم الدين، ومن هنا.. كان جاهين يردد في أصعب لحظات الانكسار: " احكم يا شعب وخد بنفسك مكانك".
ومع الذكرى الأولى لثورة 30 يونيو، التي أطاحت بحكم دولة المرشد وجماعته الإرهابية، ليستعيد الشعب، الذي لا يخضع ولا يستكين، وطنه وكرامته، وإذا سأل سائل: لمن حكم مصر اليوم؟ لكان الجواب: "للشعب الثائر الذي يعز حاكمه إذا عدل، ويبطش به إذا ضل وظلم".
لم يكن المصريون يومئذ نفضوا عن أنفسهم غبار ثورة 25 يناير، التي أطاحت بنظام جثم على صدورهم 3 عقود متصلة، حتى اضطرتهم السلطة اللاهية المضطربة المرتبكة إلى أن يعيدوا الكرّة، ويحتشدوا بالملايين في الميادين، يهتفون بسقوط حكم الإخوان وطرد المعزول محمد مرسي من سدة حكم مصر، وحقق الله مرادهم، وأيدهم بنصره وجنود رأيناهم، وآخرين لم نرهم، لأن عناية الله جندها الأشمُ، وحصنها الحصين.
استرد المصريون في 30 يونيو الماضى، ثورتهم المخطوفة، وصوبوا مسارها، وأعادوا إليها رشدها السليب، وبدءوا يجنون بعضا من ثمارها، بعد تنفيذ الاستحقاقين الأهم والأبرز في خريطة المستقبل، وشهدت مصر، قبل أيام، حدثا تاريخيا، تجسد في تسليم السلطة من الرئيس المؤقت المستشار الجليل عدلي منصور، إلى الرئيس المنتخب عبد الفتاح السيسي، الذي تعهد بأن يقود البلاد إلى نهضة حقيقية، كما تعهد بأن تستعيد مصر وقارها المفقود، في عهد معزول الجماعة الإرهابية محمد مرسي، الذي يُحاكم وسادته أمام القضاء المصرى الشامخ، بتهم عدة.
" طال انتظاري للربيع يرجع، والجو يدفا والزهور تطلع، عاد الربيع عارم عرمرم شباب، ايه اللي خلاني ابتديت أفزع؟ "لا يزال جاهين يشدو"، ثم يكمل وكأنه لا يزال بين ظهرانينا: " اليوم ده بعده مفيش، غير مجد وعز وحرية، لو متنا ولادنا تعيش، ونعيش في الأجيال الجاية"، ثم يبدو الشاعر، الذي عانى الإحباط كثيرا، منتشيا، عندما ينشد: " ح نعيش ونشوف مصر سعيدة نعيش ونشوف دنيا جديدة، وكفاحنا يكون بكرة قصيدة، بتوصف أيام ثورة مجيدة".
ووقائع التاريخ تؤكد أن المصريين شعب ثورى بطبعه، حتى وإن طال صبره، " الشعب قام يسأل على حقوقه، والثورة زي النبض في عروقه، اللي النهاردة يحققه ويرضاه، هوّ اللي بكرة، بهمته، يفوقه"، " لا يزال جاهين يشدو"، ودائما وأبدا كانت الكلمة العليا للشعب الثائر، الذي لا يثور على حاكمه إلا عندما ينفدُ صبره، إنها إرادة شعب لا يغلبها غلاب.
ويوما أنشد الشاعر التونسى أبو القاسم الشابى، وكأنه يرسم حال المصريين، على مدى التاريخ: إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة، فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ، ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي، ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ، ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة، تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ، فــويل لمــن لــم تَشُــقهُ الحيـاة، مــن صفْعــة العــدَم المنتصـرْ، كـــذلك قــالت لــيَ الكائنــاتُ، وحـــدثني روحُهـــا المســـتترْ.
> الثورة الأولى
وكما يرى المنظر السياسي الدكتور عمار على حسن فإن ثورة 30 يونيو، أحيت ما طمره النسيان من تاريخ المصريين المديد من احتجاجات وثورات على الطغيان والعوز والمسكنة، لو وضع بعضها فوق بعض لتلاشي الاعتقاد الزائف بأنهم شعب يصبر على الضيم صبرًا طويلًا، إما بحكم خوفه على الأرض، أو نزعته الدينية المتأصلة. ويكفينا برهانًا على هذا أن أول ثورة في تاريخ الإنسانية جرت على ضفاف النيل العظيم، وكانت من الشمول والقوة والعنف إلى درجة أنها هزت ضمائر، وأثارت اندهاش، كل من فتشوا في ماضي مصر ووثائقها، باعتبارها أول دولة عرفها البشر.
لم يقطع أحد بزمن محدد دقيق لهذه الثورة الخالدة، لكن ما ساقه الحكيم إيبور يشي بأنها قد وقعت إبان حكم بيبي الثاني، في سنوات تتراوح تقريبا بين 2280 و2132 قبل الميلاد. وكان السبب الرئيسي لهذه الثورة العارمة هو تفشي الظلم واتساع الهوة بين الطبقات، حيث كانت قلة متخمة من فرط الشبع، وكثرة تعاني قسوة الجوع، الذي بلغ مداه، حيث أكل الناس العشب، واكتفى بعضهم بشرب الماء، وعزّ على الطير أن يجد ما يملأ به جوفه، وحين اشتد الجوع بالناس هاجموا بضراوة قصور أصحاب الجاه والأثرياء، فقتلوا من فيها، ونهبوا ما بها، وأشعلوا النيران في كثير منها، وصار الشعار الذي يسري في البلدات الرابضة على ضفتي النيل هو: "لنُقصِ أصحاب الجاه من بيننا"، وفي أتون هذه الفوضي سقط الحكم بعد أن انهارت الدواوين والمحاكم، وعاشت مصر بلا حكم لمدة تصل إلى ست سنوات، وأفلست الخزانة العامة، ولم ينج قصر الملك نفسه من النهب، ليجد بيبي الثاني نفسه أمام هذه الحقيقة المرة، بعد أن عاش سنوات طويلة مثقلًا بالأكاذيب، عازلًا نفسه عن شعبه، ومسلّمًا إياها إلى حاشية لا تجيد إلا فن النفاق والكذب والتضليل.
ومنذ تلك الثورة العارمة، ومصر لم تهدأ، ولكن الحركة المصرية هذه، لم تأخذ طريقًا واحدة، إنما تنوعت بين الثورات والهبَّات والتمرد وبين العناد والعصيان والمقاومة والإصرار الصارم على التمسك بالثوابت الوطنية، على رغم تعاقب المحتلين، بل استدراج هؤلاء رويدًا رويدًا حتى يذوبوا في الروح الثقافية المصرية القوية. وهذه الروح جعلت مصر تحافظ على استقلالها الكامل.
> ثورة على الآلهة.. وكفاح الأقباط
وكان هذا الاستقلال في جله الأعظم، بحسب "عمار على حسن"، ثمرة لروح مصر الوثابة، أو ثورتها المستمرة بأشكال متنوعة، فبعد الثورة ضد بيبي الثاني، قام المصريون عن بكرة أبيهم ضد الهكسوس الغزاة، فخلعوهم من أرض النيل خلعًا، وطردوهم إلى عمق الصحراء البعيدة، ثم جاءت ثورة من نوع آخر، أخذت منحى دينيًا وفلسفيًا وفنيًا خالدًا، وقامت على أكتاف إخناتون، الذي نادي بالتوحيد في وجه تعدد الآلهة، وثار ضد الطقوس الوثنية، التي استغلت الدين في ظلم البشر، وتأليه الحكام، ولو قدر لهذه الثورة أن تنجح، لتغير تاريخ العالم برمته. ولما غزا الأشوريون مصر حيث تزعم باسماتيك ثورة ضدهم حتى هزمهم، وأقام على أنقاضهم حكم الأسرة السادسة والعشرين، التي سلمت الراية لأسرة بعدها خاضت هبَّات شعبية جارفة ضد الفرس المحتلين، دفع فيها المصريون ثمنًا غاليًا من أرواحهم الزكية، في سبيل الحفاظ على نظام حياتهم وطرق معاشهم، التي حاول الفرس تدميرها، حتى جاء الإسكندر الأكبر فأخرجهم من بلادنا، ولكنه حل محلهم في احتلالها، وجاء الدور على الرومان ليذوقوا نوعًا آخر من كفاح المصريين، الذين وجدوا في تمسكهم بالمسيحية نوعًا من الاحتجاج ضد وثنية الرومانيين، وقطيعة رمزية كاملة وعميقة مع منطقهم الاستعماري. فلما اعتنق إمبراطور الرومان المسيحية، وجعلها الدين الرسمي لإمبراطوريته مترامية الأطراف، وجد المصريون أنفسهم أمام مأزق شديد، لكنهم سرعان ما وجدوا مسارًا لمواصلة كفاحهم، حين ميزوا مذهبهم الديني عن مذهب الرومان، فتواصل النضال ضدهم، وقدم الأقباط شهداء لا حصر لهم، ولم تتراخ عزيمتهم في الدفاع عن رؤيتهم الدينية، على رغم مغالاة أعدائهم في اضطهادهم، بل أشعلوا حركات مقاومة متفرقة، فيما هب الصعيد في ثورة عارمة ضد حكم دقلديانوس.
> "مسلم وقبطى..إيد واحدة"
وأزاح المسلمون ظلم الرومان عن المصريين، لكن قيام الحكام الأمويين والعباسيين بتحويل الدين إلى أيديولوجيا، قاد بعض أمرائهم إلى التعسف مع الرعية، فرفض المصريون هذا التعسف، ولم يكن الرفض مقتصرًا على المسيحيين، بل شمل المسلمين، سواء من أصل قبطي أو من العرب الذين سكنوا مصر قبل ظهور الإسلام بزمن طويل. ولكن مصر ولدت ثورات من نوع جديد، حين أخذت على عاتقها الدفاع عن الشرق وعن الإسلام في مواجهة المغول والصليبيين، من دون أن تنسى الاحتجاج ضد ظلم بعض الحكام العبيديين والمماليك والأتراك، ووصل الأمر إلى ذروته حين خلع علماء مصر خورشيد باشا، الوالي العثماني، وعينوا محمد على بديلًا عنه.
وتصدي المصريون للحملة الفرنسية (1798 ـ 1801) ببسالة وشجاعة، بعد هزيمة المماليك بسيوفهم الصدئة أمام مدافع جيش نابليون، فقامت هبّتان شعبيتان جارفتان في القاهرة، أقضتا مضجع الفرنسيين، وأظهرتا لهم أن بقاءهم في مصر مستحيل، ولاسيما مع فشلهم في السيطرة على صعيد مصر، الذي خاض أهله نحو 22 معركة ضد الحملة الفرنسية، علاوة على بعض حركات التمرد والمقاومة التي شملت الصعيد برمته. وحدث الشيء نفسه لحملة فريزر الإنجليزي 1807 الذي انهال أهل رشيد، رجالًا ونساء، على حملته ضربًا من كل مكان، حتى فر هاربًا.
عرابى وزغلول
وتحدى أحمد عرابي الخديوي توفيق دفاعًا عن حقوق الضباط المصريين، ثم قاد الفلاحين في مقاومة عسكرية ضد الاحتلال الإنجليزي، وعلى رغم هزيمته، فإن ما أقدم عليه ألهب الشعور الوطني لدى المصريين، فشنفوا آذانهم إلى محمد فريد ومصطفى كامل، اللذين دعيا إلى الثورة، وتحقق الأمل مع سعد زغلول ورفاقه في ثورة 1919 الخالدة، التي شاركت فيها كل فئات الشعب المصري، فحصد المصريون استقلالًا نسبيًا ودستورًا رائعًا، وتعبد الطريق أمام ثورة يوليو 1952، التي تحولت إلى ثورة اجتماعية كاملة، أعادت ترتيب الطبقات المصرية، وحررت البلاد من النظام الفاسد والاستعمار الغاشم، وألهمت شعوب العالم الثالث برمته روح التحرر والانعتاق، وبعدها جاءت ثورة يناير التي لن تنفك إلا إذا حققت مطالبها في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ثم صوبت ثورة ثورة 30 يناير المسار وأعادت الوطن لشعبه.
ويجزم المؤرخون والمراقبون أن تاريخ مصر الطويل وتاريخ المصريين ليس إلا تاريخا من المقاومة والثورة والاحتجاج، فالفلاح المصرى الذي بنى حضارة من أعرق الحضارات في التاريخ، هو نفسه الفلاح المقاوم، الفلاح المقاتل، الفلاح الثائر، الفلاح المحتج، لكن مشكلة ثورات المصريين عبر العصور أن كثيرا منها ثورات ناقصة، ثورات لم تكتمل، وهذه هي المعضلة الأساسية للتاريخ المصرى.
> ثورات لم تكتمل
ويؤكد الدكتور عماد أبو غازى، على ما سلف حيث يرى أن بعضا من ثورات المصريين لم تكتمل، مشيرا إلى "أنه لو نظرنا إلى تاريخنا القريب في القرنين الأخيرين نكتشف أنه تاريخ من الثورة وحركات الاحتجاج والتمرد، إلا قليلا، لكنها غالبا كانت ثورات غير مكتملة، ثورات مخطوفة، منذ «ثورة» يوليو ١٧٩٥ إلى ثورة يناير ٢٠١١"، ثم يوضح أبو غازى الأمر جليا بقوله:" أول حركة احتجاج كبرى للمصريين في العصر الحديث، كانت في يوليو ١٧٩٥؛ انتفاضة شعبية دعمها وساندها عدد من كبار مشايخ الأزهر في مقدمتهم الشيخ الشرقاوى، خرج فيها المصريون يتظاهرون في الشوارع ضد طغيان الأمير إبراهيم بك شيخ البلد وحليفه الأمير مراد بك، كبير أمراء المماليك اللذين كانا يعدان الحاكمين الفعليين للبلاد، وضد تعديهم على الجرايات والأوقاف، وضد الزيادات في الضرائب والجبايات التي فرضاها على المصريين، لقد نجحت انتفاضة المصريين سنة ١٧٩٥ في إرغام الأميرين الكبيرين على التوقيع على حجة شرعية يتعهدان فيها بالاستجابة للمطالب الشعبية وبعدم فرض ضرائب جديدة أو اتخاذ إجراءات تمس بالأوقاف وجرايات المشايخ والطلاب والصوفية دون الرجوع لكبار المشايخ باعتبارهم ممثلين للناس، وعندما جاءت الحملة الفرنسية لمصر سنة ١٧٩٨ هب المصريون للدفاع عن بلدهم في مواجهة الغزاة الأجانب، وقضت الحملة 3 سنوات شهدت ثورتين كبيرتين بالقاهرة ومقاومة شعبية مستمرة منذ وطأت أقدام جنود الحملة الإسكندرية حتى غادروا البلاد سنة ١٨٠١، كانت المقاومة الشعبية ضارية في الدلتا كما شارك المصريون المماليك في المقاومة في الصعيد، وذلك من أجل تحرير بلدهم، سقط آلاف الشهداء خلال الثورات وحركات المقاومة وخرج الفرنسيون لكن المصريين لم يستردوا بلدهم بل عادت إلى أيدى السلطان العثمانى الذي لم يلعب جيشه دورا يذكر في محاربة الحملة قياسا على ما قام به المصريون، وأكثر من ذلك تعاملت الدولة العثمانية مع مصر باعتبارها بلدا تم فتحها من جديد".
وشهدت السنوات الأربع التي تلت خروج الحملة حالة من الانتفاضة الشعبية المستمرة ضد الباشاوات العثمانيين وضد بكوات المماليك، لم يترك المصريون هؤلاء أو أولئك يهنئون بحكم مصر، بحسب أبو غازى، حيث تبدل على مصر خمسة باشاوات في أربع سنوات، وانتهت هذه السنوات بالثورة الشعبية الكبرى التي قامت في مايو ١٨٠٥ بقيادة السيد عمر مكرم، لتسقط الباشا العثمانى وترغمه على الرحيل وترغم السلطان في إسطنبول على إصدار فرمان بعزله.
وخلال عصر محمد على قامت عدة هبات شعبية كانت أخطرها ثورة الشيخ رضوان في عشرينيات القرن التاسع عشر، لكن محمد على واجهها كلها بعنف وقوة، وكانت الثورة الكبرى التالية في تاريخ مصر الحديث بعد ثورة ١٨٠٥ هي الثورة العرابية عام ١٨٨١ وهى نتاج حراك سياسي واجتماعى استمر لأكثر من عشر سنوات في عهد الخديوى إسماعيل ثم ابنه توفيق، نجحت الحركة الوطنية المصرية خلال هذا الحراك في أن تنتزع برلمانا ولائحة أقرب ما تكون إلى الدستور ومشاركة حقيقية في حكم البلاد، وجاءت الثورة العرابية تتويجا لهذا النضال وتعبيرا عن التحام المجموعات السياسية الوطنية بالوطنيين من رجال الجيش، لكن الثورة العرابية رغم ما حققته من نجاحات في الأشهر الأولى من قيامها لم تكمل أهدافها، بل انتهت إلى هزيمة هي الأسوأ في تاريخ الثورات المصرية الحديثة، انتهت بعد عام وخمسة أيام من قيامها والقوات البريطانية تحتل مصر وتدخل إلى القاهرة، وقادة الثورة يحاكمون وينفون خارج البلاد وتصادر أملاكهم، لقد تردد العرابيون في عزل الخديوى وإعلان الجمهورية فضاعت الثورة، وتصاعدت نار الاحتجاج تدريجيا مع تسعينيات القرن التاسع عشر وتحولت إلى حركة وطنية جارفة مع العقد الأول من القرن العشرين، حركة تطالب بالجلاء التام والدستور، كانت هذه الحركة التي استمرت حتى قيام الحرب العالمية الأولى هي التي مهدت لثورة ١٩١٩ أكبر الثورات الشعبية المصرية في القرن العشرين، ورغم ذلك يرى أبو غازى أن ثورة ١٩١٩ أيضا نموذج للثورة غير المكتملة، بسبب الانقسام السريع لقوى الثورة، حقا لقد نجحت ثورة ١٩١٩ في تحقيق هدفها المباشر الذي تفجرت من أجله، وهو الإفراج عن سعد وزملائه وعودتهم من المنفى والسماح لهم بالسفر إلى مؤتمر الصلح، وللمصريين عموما بالتنقل والسفر، لكن الهدف البعيد للحركة الوطنية: الاستقلال والدستور، لم يتحقق بالكامل، حصلت مصر على استقلال منقوص بتصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢ وعلى دستور رغم ما فيه من جوانب إيجابية لا يعبر عن طموحات الأمة، لتبدأ مرحلة جديدة من النضال البرلمانى تتخلله انتفاضات شعبية عارمة، ولتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ ثورات المصريين قضى عليها حريق القاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٢ دون أن تحقق أهدافها، وفى عام ١٩٥٤ تراجعت حركات الاحتجاج الكبرى حتى عادت لتتفجر من جديد في أعقاب هزيمة ٦٧ واستمرت لعشر سنوات كاملة بداية بالاحتجاجات العمالية والطلابية في فبراير ٦٨ وانتهاء بانتفاضة ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧ الشعبية، التي ختمت حقبة من التحركات الجماهيرية الكبرى انتهت هي الأخرى دون أن تكمل أهدافها.
> يا شعب الله معك
وعلى أىة حال.. فإن الواقع والتاريخ يؤكدان ويشهدان على ثورية المصريين ضد الظلم والغبن والاستبداد، كما يحتشدون وراء حاكمهم إذا ما كان عادلا منصفا، وهو ما يكاد يحدث الآن وعكسته نتيجة الانتخابات الرئاسية، التي جاءت بعبد الفتاح السيسي رئيسا للبلاد، الذي يرى فيه بعض مؤيديه امتدادا للزعيم جمال عبد الناصر، الذي خاطبه "جاهين" يوما بقوله: " وحشتنا نظرة عيونك للبلد يا جمال، والحزم والعزم فيها وحبها المكنون"، ولو عاد "جاهين" إلى الحياة لكتب لحظة تنصيب السيسي رئيسا: "صورة صورة صورة، كلنا كدة عايزين صورة، صورة للشعب الفرحان، تحت الراية المنصورة".. ولخاطب الشعب مرددا: " الفجر طالع مين يحوشه من الطلوع،
ويا شعب يا ممنوع يا ويل من يمنعك، الله معك.. الله معك.. الله معك"..وإلى ثورات المصريين عبر التاريخ.
