فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

حين لا نفهم عدل الله

هناك قرارات في حياتنا لا نفهمها وقت حدوثها. نغضب منها، نحزن بسببها، وربما نقضي وقتًا طويلًا نسأل: لماذا حدث هذا بهذه الطريقة؟ لماذا لم يستجب الله كما تمنيت؟ لماذا أغلق هذا الباب، بينما كنت أراه أفضل الأبواب؟ ولماذا سمح بأن أسير في طريق لم أختره؟ وفي لحظات كهذه، قد يكون من السهل أن نحكم على القرار من خلال الألم الذي سببه لنا، لا من خلال الخير الذي قد يحمله لنا.

لكن سفر طوبيا يضع أمامنا عبارة عميقة جدًا: «عَادِلٌ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّبُّ وَجَمِيعُ أَحْكَامِكَ مُسْتَقِيمَةٌ». جاءت هذه الكلمات في صلاة طوبيا وهو يمر بوقت قاسٍ، بعد أن تراكمت عليه وعلى أسرته أمور مؤلمة. لم يكن طوبيا يتحدث عن حياة خالية من الألم، بل كان يعلن وسط الألم أن أحكام الله مستقيمة، حتى عندما لا يستطيع الإنسان أن يفهم كل ما يحدث حوله.

وهنا تظهر واحدة من أصعب درجات الثقة: أن تؤمن بعدل الله في الوقت الذي لا يعجبك فيه ما يحدث. نحن عادةً نحب القرارات التي تتفق مع رغباتنا، ونعتبرها خيرًا، لكن عندما يأتي الأمر بعكس ما خططنا، نشعر أن هناك شيئًا خاطئًا. ننسى أن الإنسان يرى اللحظة، بينما الله يرى ما وراءها.

قد يكون إغلاق باب أمامنا مؤلمًا جدًا، لأننا كنا نراه فرصة العمر. وقد يكون تأخر أمر نتمناه سببًا في إحباطنا، لأننا لم نعرف لماذا تأخر. وقد نفقد شخصًا أو فرصة أو مكانًا كنا نظن أن حياتنا لا يمكن أن تستمر من دونها.

ثم تمر السنوات، وتتغير الظروف، وننظر إلى الماضي بعين مختلفة، فنكتشف أن بعض الأشياء التي كنا نبكي بسببها كانت في حقيقتها حماية لنا، وأن بعض الأبواب التي تمنينا فتحها كان إغلاقها أكثر رحمة من فتحها، وأن بعض الطرق التي ظننا أنها ضاعت منا كانت تقودنا إلى طرق أفضل لم نكن نراها.

وهذا لا يعني أن كل ألم نفهم سببه بعد ذلك، أو أن كل خسارة تتحول بالضرورة إلى شيء نفهم حكمته. هناك أوجاع تظل أسئلتها مفتوحة، وهناك أمور لا نعرف لماذا حدثت. لكن الإيمان لا يقوم على امتلاك تفسير لكل شيء، بل على الثقة في الله حتى عندما لا نملك التفسير.

ولهذا فإن عبارة «عَادِلٌ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّبُّ» ليست مجرد كلمات تقال عندما تسير الحياة كما نريد، بل تصبح أكثر عمقًا عندما نقولها ونحن لا نفهم. أن تقول: “يا رب، أنا متألم، ولا أفهم لماذا حدث هذا، لكنني ما زلت أثق أنك عادل، وأن أحكامك مستقيمة”، هذه ليست علامة على أن الإنسان لم يتألم، بل علامة على أنه لم يسمح لألمه أن يحدد صورة الله في قلبه.

فنحن أحيانًا نخلط بين ما هو مؤلم وما هو شر. وليس كل ما يؤلمنا يكون ضدنا، كما أن كل ما نريده ليس بالضرورة خيرًا لنا. الطفل قد يبكي عندما يمنعه أبوه من شيء يريده، لأنه لا يرى الخطر الذي يراه الأب. والإنسان كذلك قد يحزن أمام منع أو تأخير أو تغيير، لأنه لا يرى الصورة التي يراها الله.

لذلك، عندما تتغير الأمور على غير ما خططت، لا تتعجل في تفسيرها على أنها خسارة. وعندما يُغلق أمامك باب، لا تفترض أن الله تخلى عنك. وعندما لا تأتي الإجابة بالطريقة التي طلبتها، لا تظن أن صلاتك ذهبت سدى. ربما يكون ما تعتبره اليوم قرارًا قاسيًا هو نفسه القرار الذي ستفهم رحمته غدًا.

وقد لا يأتي ذلك الفهم سريعًا، وقد تحتاج إلى وقت طويل حتى ترى الصورة بصورة أوضح. لكن في أثناء الانتظار، يمكنك أن تستند إلى حقيقة واحدة: أن الله يرى ما لا تراه أنت. والراحة الحقيقية لا تأتي دائمًا من أن نفهم لماذا حدث الشيء، بل أحيانًا من أن نثق فيمن سمح بحدوثه.

لذلك، إذا كنت اليوم حزينًا بسبب أمر لم يحدث كما تمنيت، أو بسبب باب أُغلق، أو طريق تغير فجأة، لا تحكم على تدبير الله من خلال لحظة واحدة. أعطِ الأيام فرصة لتكشف لك ما لا تستطيع رؤيته الآن. فكم من مرة ظننا أن الله أخذ منا شيئًا، ثم اكتشفنا أنه كان ينقذنا من شيء آخر؟ وكم من مرة بكينا على طريق لم نسلكه، ثم شكرناه بعد ذلك لأنه لم يسمح لنا أن نسير فيه؟

نحن لا نملك كل الإجابات، ولا نحتاج إلى امتلاكها حتى نطمئن. يكفينا أن نعرف أن الله لا يخطئ في حكمه، وأن ما لا نفهمه اليوم قد يحمل حكمة سنراها غدًا، وأن رحمته لا تتوقف عند حدود ما نستطيع إدراكه.

قد نحزن من قرارات الله لأننا نراها من زاوية اللحظة، لكن عندما تنكشف لنا الصورة كاملة، قد نكتشف أن ما ظنناه قسوة كان حماية، وما ظنناه حرمانًا كان رحمة، وما ظنناه تأخيرًا كان ترتيبًا أكثر عدلًا لنا. 
TikTok: @pwagih