فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

منابر الجهل والاستفزاز!

لم تعد المشكلة أن يتحدث الجاهل، وإنما أن يجد من يمنحه المنبر، ويضفي على حديثه هالة من الحكمة، ويمنحه من الثقة ما لا يستحقه من العلم، هنا لا يعود الجهل نقصًا في المعرفة فحسب، بل يتحول إلى قوة مؤثرة، ويصبح التضليل رأيًا، والسطحية ثقافة، والضجيج بديلًا عن الفهم.


لقد اتسعت المنابر في عصرنا، وأصبحت شاشات الهواتف ووسائل الإعلام ساحات مفتوحة لكل من يريد الحديث في الدين والطب والسياسة والاقتصاد، دون أن يكون مؤهلًا لذلك. وبات عدد المتابعين، في أحيان كثيرة، معيارًا للثقة، وكأن الشهرة شهادة علمية، وكأن القدرة على الإقناع دليل على صحة ما يُقال.


لكن الخطورة لا تقف عند حدود نشر الجهل وتزييف الوعي، بل تمتد إلى علاقة الناس بمؤسسات الدولة وحكومتهم. فالإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما جسر بين المواطن والمسؤول، وصورة تتشكل من خلالها مواقف الناس وانطباعاتهم. وحين تتصدر الشاشات وجوه باتت مكروهة لدى قطاعات من الجمهور، بسبب خطابها المستفز أو تعاليها على الناس أو استخفافها بمشكلاتهم، فإنها لا تخسر رصيدها الشخصي وحده، بل قد تخصم من رصيد الثقة في الخطاب الذي تقدمه، وفي الجهات التي يُظن أنها تمثلها أو تدافع عنها.


وهنا تكمن المفارقة؛ فبدلًا من أن يكون الإعلام جسرًا للتواصل بين الحكومة والمواطن، قد يتحول إلى حاجز يزيد المسافة بينهما. فالمواطن الذي يرى من يتحدث باسمه أو يدافع عن سياسات الحكومة يتجاهل شكواه أو يستخف بمعاناته، قد لا يفصل بين موقف المتحدث وموقف الدولة، فتتحول محاولة الدفاع عن القرار إلى سبب إضافي للنفور منه. وليس أخطر على الثقة من خطاب يظن أصحابه أنهم يدافعون عن الدولة، بينما يتركون لدى الناس انطباعًا بأن مشكلاتهم لا تجد من يسمعها أو يحترمها.


ولا يعني ذلك أن الإعلام مطالب بإرضاء الجمهور أو مجاملة مشاعره، وإنما أن يلتزم الصدق والموضوعية واحترام عقل المواطن. فهناك فارق بين الصراحة والاستفزاز، وبين الدفاع بالحجة والتعالي على الناس، وبين شرح القرار وتبرير كل ما يصدر عن المسؤولين. والثقة لا تُفرض بالصوت المرتفع، ولا تُستعاد بتكرار العبارات، وإنما تُبنى بالصدق والإنصات والقدرة على الاعتراف بالمشكلة.


وقد وضع القرآن الكريم قاعدة أخلاقية لا تستقيم الكلمة إلا بها، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادُ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواه مسلم في مقدمة صحيحه). فإذا كانت الكلمة مسؤولية، فإن مسؤوليتها أعظم حين تصدر عن شاشة تصنع الرأي العام وتؤثر في وعي الملايين.


إن إصلاح المشهد الإعلامي يبدأ بإعادة الاعتبار للكفاءة والمصداقية، واختيار المتحدثين على أساس علمهم وقدرتهم على الحوار، لا على قدرتهم على إثارة الجدل. وهذا يقتضي أن تفتح الشاشات أبوابها للرأي المختلف، وأن تتيح للمواطن أن يرى مشكلاته مطروحة بجدية، لا أن يشعر بأن معاناته موضع إنكار أو سخرية. فالإعلام الذي يحترم الناس يعزز صلتهم بالدولة، أما الذي يستفزهم ويستخف بعقولهم فقد يصنع خصومة لا ضرورة لها.


فالمنبر أمانة، والكلمة مسؤولية، والثقة التي يمنحها الناس ليست صكًا مفتوحًا. وليس كل من اعتلى الشاشة جديرًا بثقة الجمهور، ولا كل من أحسن الحديث أحسن التعبير عن الحقيقة.


وفي النهاية، ماذا استفادت الدولة من تصدّر الشاشات أشخاص لا يحسنون خطاب الناس؛ فنرى الزاعق، والشتّام، وسليط اللسان، والأكول الذي لا يراعي مشاعر الفقراء، والمطبّل الذي لا يرى إلا ما تريد الحكومة وينحاز إليها على حساب المواطن؟ وهل نريد إعلامًا يشرح للناس ويستمع إليهم، أم شاشات تزدحم بوجوه تزيد المسافة بينهم وبين حكومتهم؟ وهل ندرك أن حماية الثقة لا تكون بتجميل الواقع، وإنما بمواجهته بصدق واحترام؟

ويبقى أن المنبر أمانة فإذا اعتلاه من لا يستحقه تحول من هداية إلى ضلالة ومن نور إلى ضجيج. فالجاهل إذا اعتلى منبر الحكمة فإنه لا يصبح حكيمًا بل يتحوّل المنبر إلى مسرح للتهريج، ليس كل من أمسك بالقلم كاتبًا وليس كل من صعد المنبر عالمًا فالمقاعد لا تصنع أصحابها. والجاهل إذا تصدّر أفسد أكثر مما يُصلح لأنه لا يعلم الناس بل يعلمهم كيف يجهلون بثقة.