قطع الأشجار جريمة لا تسقط بالتقادم!
أثارت أعمال تطوير شارع جامعة الدول العربية، وما صاحبها من شكاوى بشأن إزالة الأشجار، تساؤلات مشروعة حول مفهوم التطوير وحدوده: هل نطوّر شوارعنا، أم نهدم ما أُنجز بالأمس ونقدمه إنجازًا جديدًا؟ فقد شهدت أعمال التطوير في عدد من المناطق شكاوى من سكان وأصحاب محال بشأن قطع أشجار كانت قائمة على جانبي الطرق وفي الجزر الوسطى، واقتلاع أشجار كبيرة ظلت لسنوات توفر الظل وتخفف حرارة الأرصفة وتحسن جودة الهواء.
كما تداول مواطنون صورًا ومقاطع مصورة لأعمال إزالة الأشجار، مطالبين بإعلان أسباب القطع، وتوضيح ما إذا كانت هناك بدائل هندسية تسمح بالحفاظ عليها بدلًا من اقتلاعها.
ولم تتوقف الشكاوى عند الأشجار، بل امتدت إلى تكرار الحفر وإعادة الرصف وإزالة أجزاء من الأرصفة والجزر الخضراء بعد تنفيذها بفترات قصيرة. رصيف يُرصف ثم يُحفر، وبلاط يُزال ليحل محله آخر، ومشروع تنفذه جهة ثم تأتي جهة أخرى لتزيل ما أنجزته. وهي ممارسات تطرح سؤالًا أكبر عن التنسيق بين مشروعات الطرق والمرافق والتشجير، وعن جدوى إنفاق المال العام على أعمال يمكن تجنب تكرارها بالتخطيط الجيد.
وقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة ضرورة التوسع في التشجير وزيادة المساحات الخضراء، واستغلال كل فراغ ممكن في زراعة الأشجار والنباتات، بما يحسن جودة الحياة ويواجه ارتفاع درجات الحرارة والتلوث والتغيرات المناخية. وهي توجيهات مهمة يجب أن تتحول إلى منهج ثابت وقواعد ملزمة في كل مشروعات التطوير، لا أن تظل مجرد تعليمات مرتبطة بواقعة أو مشروع.
فالشجرة التي تُقتلع في دقائق تحتاج سنوات طويلة لتنمو وتمنح الظل وتخفض الحرارة وتحسن الهواء. واستبدالها بشتلة صغيرة لا يعوض ما فُقد، خصوصًا في بلد يواجه تحديات الحرارة والتلوث والتصحر. ولذلك فإن التعامل مع الأشجار القائمة يجب ألا يكون باعتبارها عائقًا أمام التطوير، بل أصلًا قائمًا ينبغي الحفاظ عليه ما أمكن.
ومن هنا، يجب أن تتضمن أي خطة تطوير حصرًا واضحًا للأشجار الموجودة، وتقييمًا فنيًا لحالتها، وتحديدًا دقيقًا لما يمكن حمايته أو نقله بدلًا من قطعه. وإذا تعذر الإبقاء على شجرة لسبب هندسي حقيقي، فيجب أن يكون ذلك موثقًا ومعلنًا، مع إلزام الجهة المنفذة بزراعة بدائل مناسبة ومتابعة نموها، لا الاكتفاء بزراعة شكلية لا تعوض ما فُقد من أشجار معمرة.
والأمر نفسه ينطبق على الأرصفة والبلاطات والمرافق. ليس من المقبول أن تتكرر أعمال الإزالة وإعادة التنفيذ من دون ضرورة واضحة، بما يهدر المال العام ويعطل المرور ويربك أصحاب المحال ويصعّب حركة كبار السن وذوي الإعاقة، فضلًا عن المخلفات الناتجة عن تكسير الأرصفة واقتلاع الأشجار.
نحن لا نحتاج إلى وقف التطوير، وإنما إلى وقف التطوير العبثي. قبل خلع رصيف أو اقتلاع شجرة أو إعادة تنفيذ مشروع حديث، يجب أن تكون هناك ضرورة حقيقية، وأسباب معلنة، وتنسيق مسبق بين الجهات، وآلية واضحة للمحاسبة ومنع تكرار الأخطاء. فالمال العام ليس بلا صاحب، وكل جنيه يُهدر يدفع المواطن ثمنه.
التطوير الحقيقي ليس في حجم ما نهدمه، وإنما في قيمة ما نحافظ عليه ونضيفه. إذا كان الرصيف صالحًا فليظل، وإذا كانت الشجرة نافعة فلتبقَ، ولا نهدم شيئًا صالحًا إلا لضرورة حقيقية.
ازرعوا كل مساحة ممكنة، واستغلوا كل فراغ في زيادة المساحات الخضراء، واحموا كل شجرة قائمة، واجعلوا حماية ما هو صالح قاعدة في كل مشروع جديد. فأحيانًا يكون أعظم إنجاز في مشروع تطوير.. أن تترك الشيء الجيد في مكانه! في بلدنا فقط نقتل الأشجار مع سبق الأصرار والترصد.