فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الفضائح حين تصبح محتوى مؤثرا!

أصبحنا في زمنٍ صارت فيه الفضائح محتوى يقبل عليه كثير من الناس، والخجل تهمة، والاحترام ضعفًا، والحياء عقدة. زمنٌ تقاس فيه القيم بعدد المشاهدات، وتُباع فيه الكرامة بثمن الإعجاب. يصفقون للوقاحة لأنها هو جريئة، ويسخرون من الأدب لأنه قديم.. إن تكلمت بالحق قالوا: معقد، وإن التزمت الصمت قالوا: خائف، وإن تمسكت بمبدئك قالوا: متخلف.

 

وكأن العفة جريمة، وكأن الرقي هزيمة، وكأن الأخلاق أصبحت عبئًا ينبغي التخلص منه كي نواكب العصر! صرنا نرى الساقط مشهورًا، وصاحب المبدأ مهجورًا، وصاحب الخلق غريبًا بين الناس. وليس الخطر في وجود هذه النماذج؛ فالرداءة موجودة في كل زمان، وإنما الخطر حين تتحول الرداءة إلى قدوة، وحين يصبح عدد المتابعين مقياسًا للقيمة، ويصبح الضجيج طريقًا إلى الشهرة.

 

لقد صنعت وسائل التواصل عالمًا جديدًا للانتباه؛ من يجذب العيون أكثر يحصد انتشارًا أكبر، ولو كان ما يقدمه فارغًا أو مبتذلًا. وهنا تقع مسؤوليتنا جميعًا: فالذي يصفق للتفاهة، ويعيد نشر الفضائح، ويمنح أصحابها مزيدًا من المشاهدة، يشارك من حيث لا يدري في صناعة هذا الواقع.

 

لكن المشكلة أعمق من الشاشة. إنها أزمة قدوة وتربية وثقافة. فالأسرة التي تتراجع، والمدرسة التي تختزل النجاح في الدرجات، والإعلام الذي يطارد الإثارة، والمجتمع الذي يكافئ الشهرة أكثر مما يكافئ الإنجاز، كلها حلقات في سلسلة واحدة.

 

ولذلك فإن إصلاح الأخلاق لا يبدأ بمنع الناس من استخدام التكنولوجيا، وإنما بإعادة بناء الإنسان الذي يستخدمها. نبدأ من البيت؛ فالطفل يتعلم الصدق حين يرى أباه صادقًا، ويتعلم الاحترام حين يرى أسرته تحترم الآخرين. ونبدأ من المدرسة؛ فلا يكفي أن نعلم أبناءنا كيف ينجحون في الامتحان، بل كيف ينجحون في الحياة دون أن يخسروا ضمائرهم. ونبدأ من الإعلام؛ بأن نعيد للإنجاز والجدية والقدوة مكانتها، وألا نجعل من التفاهة صناعة ومن الفضائح بطولة.

 

ونحتاج كذلك إلى وعي رقمي جديد: أن نفهم أبناءنا أن الحرية ليست إساءة، وأن الجرأة ليست وقاحة، وأن السخرية ليست شجاعة، وأن التشهير ليس بطولة، وأن وراء كل صورة وقصة إنسانًا له كرامة. لقد جعل الإسلام الأخلاق جوهرًا لا هامشًا. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، ويقول النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ويقول أيضًا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

 

فالأخلاق ليست مظهرًا اجتماعيًا قديمًا، وإنما هي الضمير الذي يمنع الإنسان من أن يفعل كل ما يستطيع فعله. وقد يعلو صوت الساقط اليوم، وقد يسبقه إلى الشهرة، وقد يحصد ملايين المشاهدات، لكن ذلك كله لا يصنع قيمة حقيقية. فالقرآن يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.

ولهذا لا ينبغي أن نخشى على القيم من موجة عابرة، بقدر ما ينبغي أن نخشى أن نفقد نحن إيماننا بها. سيبقى الحياء تاجًا لا يراه إلا النبلاء، ويبقى الاحترام لغة لا يفهمها إلا الكبار، وتبقى المروءة قيمة لا تحتاج إلى جمهور.

فالزيف قد يعلو، لكنه لا يدوم. والقيم وإن سخروا منها، تظل الشيء الوحيد الذي لا يسقط؛ لأنها لا تصنع إنسانًا يراه الناس فقط، وإنما تصنع إنسانًا يستطيع أن يحترم نفسه حين لا يراه أحد.