أزمة تعويضات المنفعة العامة
لا أحد يمكن أن يعترض على حق الدولة في أن تُمارس سلطتها القانونية الأصيلة بنزع ملكية عقار أو أرض لصالح طريق، كوبري، أو مشروع خدمي؛ فالمصلحة العامة تقتضي أحيانًا التضحية بملكية خاصة من أجل نفع عام للمجتمع. المشكلة الحقيقية تبدأ في اللحظة التالية:
ماذا يحدث للمواطن الذي تُنتزع أرضه أو شقته أو العقار الذي يملكه؟ هل يحصل على تعويض عادل يُتيح له شراء بديل مماثل؟ أم يكتشف أن ما امتلكه لسنوات بات في دفاتر الدولة يساوي أقل بكثير من قيمته السوقية، ليجد نفسه يواجه خسارة مزدوجة؛ فقدان الملكية، ثم خوض ماراثون قضائي طويل يلتهم سنوات من عمره لمجرد الحصول على الفارق بين التقدير الحكومي والسعر الحقيقي!
لقد أعاد إعلان الشركة العامة للصوامع والتخزين عن رفض مجلس إدارتها للتقدير المبدئي لتعويض نزع ملكية عقارها بمنطقة السبتية (30 ألف جنيه للمتر) واللجوء للقضاء فتح هذا الملف الشائك. فالأزمة لا تتوقف عند حدود شركة عامة أو موقع جغرافي بعينه، بل تطرح سؤالًا جوهريًا حول المنظومة بأكملها:
كيف تُحدد الدولة قيمة ما تنزعه؟ وهل التعويض العادل هو القيمة الدفترية، أم السعر وقت صدور القرار، أم التكلفة الحقيقية التي تُمكن المالك من شراء بديل عند الصرف؟ إن الفارق بين هذه المفاهيم ليس تفصيلًا قانونيًا، بل يمس استقرار الأسر وحياتها بشكل مباشر.
ورغم أن القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته يربط التقدير بالأسعار السائدة وقت صدور قرار المنفعة العامة مع إضافة 20%، إلا أن حركة السوق المتسارعة تسحق هذه النسبة الإضافية. فالتضخم، وتراجع القوة الشرائية للجنيه، وارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء تجعل التعويض المقدر زمنيًا عاجزًا عن تلبية احتياجات المواطن لحظة الصرف الفعلي.
فالعدالة ليست مجرد معادلة حسابية جامدة على الأوراق، بل هي قدرة واقعية تُمكّن الإنسان من استعادة ما فقده، دون أن يُطلب منه أن يطلب من السوق الانتظار لحين انتهاء إجراءات التقاضي أو الصرف.
تزداد الأزمة عمقًا مع تأخر صرف التعويضات، مما يضع المواطن أمام ضغوط معيشية قاسية لإيجاد سكن أو بديل لمصدر رزقه بشكل فوري. فالبعد الزمني هنا ليس مجرد مسألة إجرائية، بل هو تكلفة مادية ونفسية إضافية. وحين يتم تصوير اعتراض المواطن على التقييم أو التقدير المالي وكأنه مطالبة بـ"امتياز"، يحدث خلط أخلاقي وقانوني؛ فنزع الملكية يتم بقوة القانون ودون خيار الرفض، مما يفرض على الدولة التزامًا أشد دقة وعدالة في التقدير والتنفيذ، حتى لا يقع المواطن تحت وطأة ضعف متعدد المراحل: عند سلب الملكية، وعند التقييم، وعند التقاضي.
في ظل التوسع العمراني ومشروعات البنية التحتية المتلاحقة، تظهر التكلفة الإنسانية بوضوح خلف أرقام الإنجاز؛ بيوت تُزال، ومحلات تُغلق، وأسر يُعاد ترتيب حياتها قسرًا. وإذا كانت تصريحات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في أبريل 2025 قد أشارت إلى تخصيص نحو 15 مليار جنيه لتعويضات نزع الملكية تصرف أولًا بأول، مع الإقرار بوجود تأخيرات إجرائية، فإن العبرة تظل بالواقع على الأرض: كم مدة الانتظار؟ وما حجم الفجوة بين التقدير والقيمة السوقية الحقيقة؟ فالأرقام الحكومية لا تعكس دائمًا حجم المعاناة الفردية لمن ينتظر تعويض بيته الوحيد.
إن المصلحة العامة لا تكتمل إذا تحول المواطن الذي يمر المشروع الجديد فوق أرضه إلى الممول الصامت للتنمية. ولتجاوز هذا الخلل، تبرز الحاجة إلى حلول هيكلية تتجاوز مجرد النصوص القانونية ومن بينها إيجاد منظومة تقييم عقاري محترفة ومستقلة لتقدير التعويضات تستند إلى قواعد بيانات حقيقية لأسعار الأرض والعقارات في كل منطقة..
ووضع قواعد مرنة لتحديث قيمة التعويض تلقائيًا في حال تأخر الصرف لتغطية فروق فروق القوة الشرائية، بالإضافة إلى تحديد سقف زمني صارم لصرف التعويضات قبل بدء الأعمال الميدانية، وتفعيل مسارات للاعتراض على التقديرات إداريًا وبشكل سريع لتجنب دوامة اللجوء للقضاء.
التنمية السريعة تتطلب بالضرورة عدالة سريعة، وحين يحصل المواطن على تعويض عادل وسريع تكتمل فلسفة المنفعة العامة، لتظل الدولة في نظر أبنائها حصنًا حاميًا للحقوق، لا طرفًا يظلم المواطن صاحب الحق ويتركه يطارد حقه دون جدوى.