لو فهمت ابن خلدون مبكرًا!
كلما تقدمت بي السنوات، وجدتني أعود إلى ابن خلدون لا باعتباره عالمًا قرأت أفكاره، وإنما باعتباره رجلًا أشعر أنني عشت بعضًا من أسئلته، وإن اختلف الزمان والظروف. ولعل أكثر ما يؤرقني اليوم أنني فهمت متأخرًا تلك الحقيقة التي عاشها ابن خلدون طويلًا قبل أن يصوغها في مشروعه الفكري: "السياسة سلاح ذو حدين"، تمنحك معرفة لا تحصل عليها من الكتب، لكنها قد تأخذ منك من الاستقرار والطمأنينة أكثر مما تمنحك.
لقد تنقلت، مثل ابن خلدون، بين السياسة والعلم، وإن اختلفت المسافات واختلف العصر. اقتربت من السياسة، عشت صراعاتها وتقلباتها، عرفت كيف تتغير المواقف، وكيف يمكن للتحالفات أن تولد سريعًا وتموت أسرع، وكيف يصبح القرب من دوائر القوة فرصة في لحظة، ومصدرًا للقلق في لحظة أخرى.
وعرفت أيضًا أن السياسة ليست كما تبدو من بعيد، وأن الذين يراقبونها من الخارج لا يرون دائمًا ما يراه من يعيش داخلها. وربما لهذا السبب أشعر اليوم أن تجربتي السياسية، بكل ما حملته من تعثر وقلق وعدم استقرار، لم تكن مجرد سنوات مضت، وإنما كانت مدرسة قاسية دفعتني في النهاية إلى إعادة اكتشاف قيمة العلم.
كان يمكن لعبد الرحمن بن خلدون أن يعيش حياة عالم هادئة في تونس، بين الفقه واللغة والكتب، لكنه دخل عالم السياسة، وتنقل مضطرًا بين بلاطات السلاطين، وعرف السجن، ومارس الدبلوماسية، وشهد صعود رجال وسقوط آخرين، وانتقل من فاس إلى غرناطة، ومن المغرب إلى الأندلس، ثم انتهى به الطريق إلى القاهرة ودمشق.
لم يكن ابن خلدون سياسيًا عابرًا في التاريخ، وإنما كان مراقبًا من داخل التجربة، وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة ليّ. فهو لم يكتب عن السلطة لأنه قرأ عنها فقط، وإنما لأنه اقترب منها، وعمل في مؤسساتها، واصطدم بها، ودخل سجونها، ثم ابتعد عنها لكي يفكر فيها.
وحين اعتزل في قلعة ابن سلامة ليكتب مقدمته، لم يكن يهرب من السياسة بقدر ما كان يحاول أن يفهمها. وهناك حدث التحول الكبير في حياته: انتقل من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال: لماذا يحكم؟. وهذا، في تقديري، هو الفارق بين السياسي والمفكر، فالسياسي ينشغل غالبًا بمن يمتلك السلطة وكيف يصل إليها ويحافظ عليها، بينما يحاول المفكر أن يفهم القواعد التي تجعل السلطة ممكنة، والعوامل التي تمنحها القوة، والأسباب التي تؤدي في النهاية إلى ضعفها وسقوطها.
وهنا أجد نفسي مضطرًا إلى الاعتراف بأنني احتجت أنا أيضًا إلى سنوات من التجربة حتى أصل إلى معنى قريب من هذا المعنى. فقد عشت السياسة من الداخل، ورأيت ما لا تراه الكتب، واكتشفت أن المجتمع ليس مجموعة من المفاهيم النظرية، وأن وراء كل موقف سياسي مصالح ومخاوف وتوازنات، وأن القوة ليست دائمًا حيث تبدو، وأن التحالفات ليست دائمًا ثابتة، وأن الأشخاص الذين يبدون أقوياء اليوم قد يصبحون خارج المشهد غدًا.
علمتني السياسة أن القرارات لا تصنعها الأفكار وحدها، وإنما تصنعها أيضًا المصالح والظروف وموازين القوة وطبيعة المجتمع. ولعل هذه الخبرة هي التي جعلتني أفهم ابن خلدون بصورة مختلفة، فقد رأى السلطان والقبيلة، القصر والسجن، الحرب والمفاوضات، المدينة والبادية، ثم جلس ليبحث عن القانون الذي يربط هذه الظواهر كلها.
ومن هنا جاءت أسئلته عن العصبية والعمران والدولة، وعن أسباب صعود الدول وقوتها ثم ضعفها وسقوطها. لقد كان يحاول أن يحول التجربة إلى معرفة، والألم إلى سؤال، والصراع إلى فهم، وهي في اعتقادي إحدى أعظم الوظائف التي يمكن أن يؤديها الفكر.
ولذلك لا أستطيع أن أعتبر سنوات السياسة التي عشتها سنوات ضائعة، رغم ما حملته من أثمان شخصية ومهنية وإنسانية. فالسياسة منحتني معرفة مباشرة بالمجتمع، وبصراعاته وتحولاته، وبالفجوة أحيانًا بين ما يقال في العلن وما يتحرك في الواقع، وأسهمت في تشكيل رؤيتي الفكرية له.
وربما لو اخترت العلم منذ البداية، لكانت حياتي أكثر هدوءًا واستقرارًا، ولكنت وفرت على نفسي كثيرًا من القلق والتعثر، لكنني في المقابل ربما كنت سأفقد شيئًا من المعرفة التي لا تأتي إلا من الاحتكاك المباشر بالواقع. وهذه هي المفارقة التي تجمعني بابن خلدون..
فلقد أتعبته السياسة، لكنها علمته، فهو دفع ثمنًا باهظًا من عمره في التنقل بين السلاطين والصراعات، ثم أعاد صياغة تلك التجربة في مشروع فكري بقي أكثر من ستة قرون، لذا تجدني أحاول اليوم، في حدود تجربتي وإمكاناتي البسيطة، أن أفعل شيئًا مشابهًا: أن أحول ما عشته إلى معرفة، وما رأيته إلى تحليل، وما تعلمته من السياسة إلى رؤية علمية للمجتمع والدولة والسلطة.
ومن هنا فإن تفرغي للعلم اليوم ليس هروبًا من السياسة، ولا اعتزالًا لها بالمعنى الذي يعني إدارة الظهر لها، وإنما هو انتقال من مرحلة إلى أخرى، من ممارسة السياسة إلى تأملها، ومن الانخراط في صراعاتها إلى محاولة فهم قوانينها، ومن السؤال عن المواقع والأشخاص إلى السؤال عن المجتمع والدولة.
لقد أدركت أن الإنسان قد يكون أكثر فائدة حين يتحول من طرف في الصراع إلى دارس له، ومن لاعب في ميدان السياسة إلى مراقب يحاول فهم قواعد اللعبة وآثارها. وربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي تعلمته من ابن خلدون متأخرًا: أن الابتعاد عن السياسة لا يعني بالضرورة التخلي عن الشأن العام، فقد يكون الابتعاد أحيانًا هو الطريق الأكثر صدقًا لفهمه.
فهناك فرق كبير بين أن تنشغل بمن يحكم، وأن تنشغل بفهم لماذا يحكم، وكيف يحكم، وما الذي يجعل المجتمع يقبل سلطته أو يرفضها، وما الذي يجعل الدولة قوية أو هشة.
ولعل تجربة ابن خلدون في القاهرة ودمشق تختصر هذه المفارقة كلها. فقد وصل إلى مصر بعد سنوات طويلة من الترحال، وعمل بالتدريس والقضاء، وعاش داخل مؤسسات الدولة، لكنه ظل قريبًا من تقلبات السلطة. ثم وجد نفسه في دمشق أمام تيمورلنك، الرجل الذي امتلك قوة عسكرية هائلة، بينما امتلك ابن خلدون سلاحًا مختلفًا تمامًا: المعرفة.
بقي عند تيمور لنك نحو خمسة وثلاثين يومًا، وتحدث إليه عن بلاد المغرب وحكامها وقبائلها، وكأن المفكر الذي أمضى حياته في محاولة فهم السلطة وجد نفسه فجأة أمام أحد أكثر نماذجها قوة. وربما كانت تلك اللحظة من أكثر اللحظات تعبيرًا عن طبيعة ابن خلدون، فقد أدرك أن القوة قد تفرض نفسها بالسيف، لكنها لا تستطيع أن تستغني عن المعرفة.
ومن المثير أن الرجل الذي قضى عمره يراقب صعود الدول وسقوطها انتهى به المطاف إلى أن يكون شاهدًا مباشرًا على قوة إمبراطورية تيمورلنك، ثم عاد إلى القاهرة ليواصل الكتابة والتدريس والقضاء حتى وفاته سنة 1406م.
وعندما أراجع اليوم تجربتي، أجد أن السؤال لم يعد: لماذا دخلت السياسة؟ وإنما: ماذا فعلت بي السياسة؟ لقد تركت في داخلي كثيرًا من الأسئلة، ودفعتني إلى إعادة النظر في مفاهيم كنت أظن أنني أفهمها، وجعلتني أكثر اهتمامًا بالعلاقة بين الإنسان والسلطة والمجتمع والدولة.
ولذلك لا أريد أن أخرج من السياسة غاضبًا منها، ولا أن أكتب عنها باعتبارها تجربة فاشلة، وإنما أريد أن أخرج منها بما هو أهم: بفهم أعمق لها. وربما يكون النجاح الحقيقي لمن خاض السياسة ليس أن يبقى فيها إلى الأبد، وإنما أن يعرف متى يتحول من لاعب في ميدانها إلى قارئ لتجربتها، ومتى تصبح المعرفة أهم من الموقع، والفكرة أهم من النفوذ، والقدرة على تفسير الواقع أهم من مجرد التأثير فيه.
وربما لهذا السبب، كلما قرأت ابن خلدون اليوم، أشعر أن المسافة بيننا ليست ستة قرون كما توحي التواريخ، فالأسئلة التي واجهها لا تزال حاضرة، والسياسة التي أرهقته لم تتغير في جوهرها كثيرًا، والإنسان الذي حاول أن يفهمه لا يزال هو الإنسان نفسه، يبحث عن القوة والأمان والمصلحة والانتماء.
أما سؤالي الشخصي الذي بقيت أعود إليه فهو: ماذا كان يمكن أن تكون عليه حياتي لو فهمت ابن خلدون مبكرًا؟ ربما كنت سأختار العلم قبل أن تستنزفني السياسة، وربما كانت حياتي أكثر هدوءًا واستقرارًا. لكنني اليوم لا أندم على التجربة، فقد كان عليّ أن أعيش شيئًا من السياسة حتى أفهم لماذا احتاج ابن خلدون إلى كل تلك الرحلة قبل أن يكتب عن الدولة والمجتمع والسلطة.
وربما لم يكن تأخري في فهمه خسارة كاملة، فقد كان عليّ أن أخوض شيئًا من الطريق حتى أكتشف قيمة الوصول. ولو فهمت ابن خلدون مبكرًا، ربما كنت اخترت العلم مبكرًا.. لكنني ربما ما كنت لأفهم العلم بالطريقة التي أفهمه بها اليوم، اللهم بلغت اللهم فاشهد.