من جبال اليمن لـ قمة جدة، القصة الكاملة لإطفاء لهيب الحرب بين عبد الناصر والملك فيصل
في صيف عام 1965، كانت جبال اليمن تغلي بتحركات القوات وجثث القتلى في حرب استنزاف طاحنة، أكلت الأخضر واليابس بين الجمهوريين والملكيين، وشطرت العالم العربي لنصفين. وفي خضم هذا الصدام المفتوح الذي هدد باستنزاف القوة العسكرية لمصر والضغط على حدود السعودية، جاءت خطوة الخروج من المأزق من مدينة جدة، التي شهدت في أغسطس زيارة تاريخية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر ولقاءً حاسمًا مع الملك فيصل بن عبد العزيز.
حرب بالوكالة، استنزاف على أرض اليمن السعيد
بدأت شرارة الأزمة عقب نجاح ثورة 26 سبتمبر 1962 في الإطاحة بـ حكم الإمامة وإعلان الجمهورية برئاسة عبد الله السلال. اندفعت القاهرة الناصرية بدعم عسكري وسياسي مباشر لحماية النظام الوليد، فأرسلت آلاف الجنود والعتاد إلى جبال اليمن، في حين قدمت الرياض دعمًا ماليًا وعسكريًا سخيًا للقبائل والمعسكر الملكي. تحول اليمن سريعًا إلى مسرح لمواجهة إقليمية معقدة، تكبدت فيها مصر خسائر بشرية واقتصادية فادحة، بينما واجهت السعودية خطرًا أمنيًا على حدودها الجنوبية.
كواليس اتفاقية جدة، مصافحة تحت ضغط الواقع
مع استعصاء الحسم العسكري، أدركت القاهرة والرياض أن المضي في الحرب لن ينتج رابحًا. جاءت زيارة عبد الناصر إلى جدة وسط استقبال رسمي وشعبي حافل قاده الملك فيصل بنفسه، لتأكيد الرغبة في طي صفحة الخلاف. وخلف الأبواب المغلقة، خاض الزعيمان مباحثات حادة وصريحة ركزت على نقطة واحدة: وقف نزيف الدم وصياغة مخرج سياسي يحفظ ماء وجه الجميع وتوازن المنطقة.
وتمخضت اللقاءات عن توقيع "اتفاقية جدة"، التي وضعت خطة عمل محددة لاحتواء الأزمة:
وقف فوري لإطلاق النار في كافة الأراضي اليمنية وإنهاء المظاهر المسلحة.
تعهد السعودية بوقف كامل الدعم المالي والعسكري للقوات والقبائل الملكية.
جدولة سحب القوات المصرية من اليمن بشكل تدريجي ومرحلي.
الدعوة لمؤتمر وطني يمني في مدينة حرض يجمع كافة الأطراف والقبائل لتقرير شكل الدولة ومستقبل الحكم دون تدخل خارجي.
حصاد القمة المصرية السعودية
رغم أن نتائج القمة تعرضت لانتكاسة بسبب تعنت القوى اليمنية الداخلية، واستمر النزاع حتى الانسحاب المصري الكامل بعد حرب 1967، إلا أن قمة جدة حققت هدفها الاستراتيجي الأول؛ إذ أوقفت الصدام المباشر بين أكبر قوتين عربيتين، وأثبتت أن الدبلوماسية قادرة على كسر جمود السلاح في أشد لحظات الصراع حرجًا.