وزير الصناعة.. واقعية ورؤية سياسية واعدة (1-2)
وزير الصناعة المهندس خالد هاشم من الوزراء القلائل الذين يملكون رؤية وشفافية ومصداقية في تصريحاتهم، والأهم واقعية في طروحاتهم وتصوراتهم؛ فهو لا يهرب من صعوبة الواقع، ولا يبيع أوهامًا وردية، وإنما يتحدث بلغة الأرقام ويضع التحديات أمامنا كما هي.
ولعل تصريحه بأن الوصول بالصادرات المصرية إلى 100 مليار دولار بحلول 2030 هدف صعب، لكنه ليس مستحيلًا، يمثل مدخلًا مهمًا لفتح ملف الصناعة المصرية كله.
والأهم في التصريح ليس الرقم وحده، وإنما ما كشفه من حقيقة أكثر أهمية: أن الوصول إلى هذا الرقم قد يتطلب زيادة كبيرة في الواردات من المكونات ومدخلات الإنتاج. وهنا يصبح السؤال: هل نريد صادرات أكبر فقط، أم صناعة أقوى؟
السؤال التقطة الدكتور رضا عبد السلام، النائب البرلماني وأستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق جامعة المنصورة، في قراءة تحمل قدرًا كبيرًا من الصراحة؛ إذ رأى أن تصريحات الوزير ينبغي ألا تمر مرورًا عابرًا، لأنها تكشف جانبًا من الخلل المزمن في هيكل الاقتصاد المصري.
فمصر لا تعاني نقصًا في الإمكانات. لدينا موقع فريد، وقناة السويس، وموانئ وسواحل، وسوق ضخمة، وموارد طبيعية، ومساحات واسعة، وقوة بشرية كبيرة. لكن المشكلة أن هذه الإمكانات لم تتحول بالقدر الكافي إلى صناعة ذات قيمة مضافة مرتفعة.
وهنا تكمن المعضلة. أن نستورد مكونات ومدخلات، ثم نجري عليها عمليات محدودة ونصدرها، ليس هو النموذج الذي يمكن أن يبني اقتصادًا صناعيًا قويًا. فالنجاح الحقيقي ليس في حجم الصادرات وحده، وإنما في نسبة المكون المحلي، وحجم القيمة المضافة، وفرص العمل، والتكنولوجيا التي نمتلكها ونصدرها.
ومن هنا تبدو المقارنة التي طرحها عبد السلام مع إسرائيل، رغم اختلاف الظروف والسياقات، كاشفة أكثر منها مقارنة رقمية؛ فالدول لا تتقدم فقط بما لديها من موارد، وإنما بما لديها من علم وإدارة وكفاءة وابتكار وقدرة على تحويل المعرفة إلى منتج.
الثروة ليست في طن الخام، وإنما في عدد المرات التي نستطيع أن نضاعف بها قيمته قبل أن يصل إلى السوق.
وهذا يعيدنا إلى التعليم. فلا يمكن أن نبني صناعة حديثة بتعليم منفصل عن احتياجات الصناعة، ولا أن ننافس في التكنولوجيا دون بحث علمي وابتكار، ولا أن نرفع القيمة المضافة من دون عمالة ماهرة ومهندسين وباحثين قادرين على تطوير المنتج.
ثم تأتي بيئة الاستثمار؛ فالمستثمر لا يحتاج إلى عشرات الأبواب، وإنما إلى باب واحد حقيقي، وإجراءات واضحة، ونظام إلكتروني فعال، ومواعيد محددة، وقواعد مستقرة. وكل يوم تضيع فيه فرصة استثمارية بسبب البيروقراطية هو في النهاية يوم تخسره الصناعة المصرية.
ولهذا فإن تصريحات وزير الصناعة يمكن أن تكون بداية نقاش وطني جاد: كيف ننتقل من اقتصاد يستورد مدخلات كثيرة إلى اقتصاد يصنعها؟ وكيف ننتقل من تصدير المواد والمنتجات الأقل قيمة إلى تصدير المعرفة والتكنولوجيا والمنتج النهائي؟
فالهدف ليس أن نصل إلى 100 مليار دولار بأي طريقة. الهدف أن تكون هذه المائة مليار نتاجًا لصناعة مصرية حقيقية؛ صناعة توفر العمل، وتوطن التكنولوجيا، وتقلل فاتورة الاستيراد، وتزيد القيمة المضافة، وتمنح الجنيه المصري قوة يستمدها من الإنتاج لا من المسكنات.
وهنا تحديدًا تصبح واقعية الوزير نقطة قوة لا نقطة ضعف؛ لأن الاعتراف بأن الطريق صعب هو أول شروط النجاح. أما الجزء الأهم، فهو أن نعرف: ما الذي ينبغي أن نفعله حتى تتحول هذه الرؤية من هدف على الورق إلى مشروع صناعي مصري قابل للتحقق؟
وهذا هو السؤال الذي يستحق أن يكون محور مقال قادم إن شاء الله تعالى.