فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ولكم في الـ"block" حياة!

دعني أخالفك الرأي قليلًا أو كثيرًا، فكما قيل قديمًا: اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، أو هكذا يجب أن يكون عقلاء البشر، فإني أظن، وليس كل الظن إثمًا، أن أفضل ما في تقنيات شبكات التواصل الاجتماعي هو تقنية الـحظر الإلكتروني المعروفة بـالـ block والإعدادات ذات الصلة!


أي نعم.. يتيح لك الفضاء الإلكتروني، أينما كنت، أن تتواصل مع الآخر، أينما كان، وتتبادلا الآراء، وقد تتوطد العلاقة بينكما، دون أن تتلاقيا، فتصيرا صديقين افتراضيين حتى إشعار آخر، فربما تصبحان في وقت لاحق صديقين واقعيين.


ولكن كالعادة.. فإن هناك وجهًا آخر لمواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث يستغلها بعضُهم، وما أكثرَهم، في الإساءة إلى الآخرين، واستعراض قدراتهم السخيَّة في الردح والتطاول والتجاوز؛ خاصة عندما يتنكر هؤلاء وراء أسماء مستعارة وصور مستعارة وصفات مستعارة!


كما أن هناك فريقًا آخر ممن لا يتنكرون ولا ينتحلون الصفات، ولكنهم لا يقبلون رأيًا مخالفًا لرأيهم، أو وجهة نظر تتصادم مع وجهات نظرهم، حيث يطلقون لأياديهم العنان في الشطط والجنون والعبث، شعارهم في الحياة: مَن ليس معنا فهو ضدنا!


وأضِف إلى هذين الفريقين فريقًا ثالثًا، يخوض أصحابه في كل  أمر، حتى لو لا يفقهون فتيلًا، ولا تسعفهم العبارة، ولا يتقنون صياغة كلمات قليلة متراصة دون أخطاء فادحة وفاضحة. ليس في هذا الكون أسوأ ممن جهل، وعظُم جهله، ورضيَ عنه جهلُه!


كان يجب أن تمنح مواقع التواصل الاجتماعي لمستخدميها، في ظل الانفتاح على العالم من أقصاه إلى أقصاه، ثقافة قبول الآخر واحتواء الرأي المخالف والنقاش المهذب وتوسيع المدارك وإثراء العقل، غير أن هناك فئة غير قليلة ضاقت صدورها وعقولها وآفاقها، فغدا أصحابها كالأفاعي السامة والحيَّات القاتلة، ضررُها أعظمُ من نفعها، هذا إن كان لها أو منها نفعٌ من الأساس!


هذه الفئة الخارجة عن حدود اللياقة والأدب، جعلت من الفضاء الإلكتروني -على اتساعه- نفقًا ضيقًا مظلمًا؛ لذا كان في الـ block وتنويعاته منجاة منهم وإراحة للنفس وابتعاد عن أسباب التوتر والضيق؛ خاصة إذا كنتَ ممن لا يردُّون الإساءة بالإساءة، ولا يروق لهم تلويث حساباتهم الشخصية بمفردات السب والشتم والكراهية!


إذا كان في السفر مثلاَ سبع فوائد، فإن في الـ"block" سبعين فائدة، حيث يريح النفس وينهي الإزعاج والجدال العقيم، ويحمي من التعليقات المسيئة، ويمنع استنزاف الطاقة في نقاشات لا جدوي ولا طائل من ورائها، ويضع خطوطًا واضحة لمنع التواصل غير المرغوب فيه، ويجعل الحساب الشخصي نظيفًا هادئًا خاليًا من التوتر.


إن حظر شخص سيئ الأدب، وتفعيل خاصة الـ block معه يتفق مع قول الله تعالى: "وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا". ليس من الحكمة التلاسن والسجال والتفاحش والاختلاف الحاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي. في الـ block حياة.

 
في العالم الافتراضي.. هناك إجراءات عديدة ترحمك من تطفلات مَن لا تحب؛ ففضلًا عن الـ block الذي يعني طرد شخص ما من عالمك الافتراضي، فلا تراه ولا يراك، وكأنك أغلقت بابك دونه، فإن هناك إعدادات أقل حدة، ولكنها مهمة أيضًا، مثل: تحديد الخصوصية وتحديد مَن يمكنه التعليق على منشوراتك، وهذه أيضًا إجراءات جادة تجعل الحياة أكثر لطفًا وهدوءًا.

ليت العالم الواقعي في سهولة العالم الافتراضي؛ حيث نطوي صفحات مَن لا يروقون لنا، أو نحدد مَن يتداخلون معنا أو يقتحمون عالمنا أو يتطفلون علينا أو يتابعوننا في صمت أو خبث أو انتهازية وتربص بضغطة زر دون تداعيات أو أعباء مادية أو نفسية ثقيلة. لو كان هذا متاحًا لأصبح العالم الواقعي أكثر هدوءًا وسلامًا ورقيًا.