فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أزمة ثقة

لا نلبث أن نخرج من دوامة حتى ندخل في أخرى دون استراحة نلتقط فيها أنفاسنا اللاهثة وراء تفاصيل أيامنا العجيبة الثقيلة.. ففي الوقت الذي لم نتعافى فيه من رفع أسعار الكهرباء والعيش والعيشة.. إذا بنا ندخل دون سابق إنذار أو تمهيد في أزمة تصنيع بعض أنواع الأنسولين محليًا والمقدم للمستفيدين من مظلة التأمين الصحي.


وبصرف النظر عن أن الخدمات المقدمة في التأمين الصحي ليست على ما يرام، والأدوية بها الكثير من النواقص والمرضى يشترونها على نفقتهم الخاصة بعد دوخة وطوابير وقوائم انتظار، وبصرف النظر عن ذلك المواطن الشريف الذي ظهر في إحدى الوحدات الصحية وقال: “إن كل شئ ميه ميه” فأنا أرى أن الأزمة في أساسها أزمة ثقة مشطورة شقين وبينهما مواطن غلبان.

 
شقها الأول عدم ثقة المواطن في المنتج المحلي، وشقها الثاني عدم ثقته في أن القرارات التي يتم إتخاذها تصب في مصلحته أولا وأخيرا، وأن راحته هي الغاية والهدف من أي قرار، تلك الراحة التي يراها راحة أبدية.


وفيما يخص الشق الأول.. لماذا فقدنا الثقة في المنتج المحلي؟! ونحن الذين أو على الأقل جيلي تربينا على منسوجات المحلة الكبرى وأحذية باتا ومربى قها، وذهبنا إلى مدارسنا بمرايل تيل نادية حتى دون أن نسأل من نادية هذه؟ وحتى اليوم لم نعرفها! بالاضافة إلى مستلزمات منازلنا التي كانت أمهاتنا يشترينها من عمر أفندي وشركة بيع المصنوعات وصيدناوي.


من وجهة نظري أننا فقدنا الثقة في المنتح المحلي منذ سياسة الإنفتاح الاقتصادي اللعين، الذي إنتقل بنا إلى السوق المفتوح فجأة ودون مقدمات، ولم يوجد آليات اقتصادية علمية كافية وضامنة لبقاء المنتج المصري قادرًا على المنافسة، فوهن وتدهور إلى أن أصبح يعيش على أجهزة التنفس الصناعي.. وبسبب ذلك الانفتاح أصبحنا مستهلكين بعد أن كنا منتجين بل ونفاخر بذلك بين الأمم.. 


الشق الثاني من الأزمة هو أن المواطن فقد الثقة في أنه الهدف والغاية، بل تأكد أن الهدف دخل في مرماه، وربما كان ذلك بسبب التضارب في التصريحات التي تصل إلى حد الشئ وعكسه، ثم نحيل الأمر في النهاية إلى أن الكلام فهم خطأ أو اجتزئ ففقد معناه، بعد أن نكون قد خلقنا بلبلة تجعل المواطن يرفض الأمر برمته ويخشاه ويتشكك في جدواه.

 
وخد من ذلك كثيرا.. لن يتم رفع الاسعار فنستيقظ كل يوم على رفع سعر سلعة أو خدمة.. نجتاج إلى ترليون جنيه لإصلاح المنظومة الصحية ثم لدينا ما يكفي لإصلاح المنظومة الصحية.. لدينا نقص في الاطباء.. لدينا اكتفاء منهم.. 

المعارضة داخل البرلمان ترينا الصورة قاتمة والأغلبية تؤكد ورديتها.. أولياء الأمور وأبنائهم يعيشون مآس يومية.. لا الأمور تسير بكفاءة لم نشهدها من قبل ثانوية عامة ولا بكالوريا.. لدينا أفضل شبكة طرق ثم تذهب أرواح بريئة وتصبح أشلاء أحلام على الأسفلت.. إعلام يُسَوق ويمهد للقادم من القرارات ويدافع باستماته عن الصادر منها والمواطن لا يراه من الأساس.

إن هذه الصورة الضبابية خلقها غياب الشفافية فغرقنا في حالة من الفوضى المعلوماتية والتصريحات المختلفة والمختلف عليها.