فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

هوس المجتمعات المغلقة الذي يحكم مصر

ثمة لحظات تاريخية فارقة لا تعلن عن نفسها ببيانات رسمية؛ بل تتسلل ناعمة عبر تفاصيل يومية صغيرة، حتى يستفيق الناس على واقع جديد يلغي حقهم في ارتياد شواطئ بلادهم؛ يكفي فقط أن تتغير طريقة الدخول إليها، وأن يقف مواطن مصري، خاض أجداده الحروب، وحفروا قناة السويس وشقوا الترع، ورسموا جغرافيا هذا البلد بدمائهم وأجسادهم، أمام بوابة مصفحة كان يمر منها قبل سنوات بلا سؤال.. 

فيُطالب بـ "كود"، أو "بار كود"، أو تصريح، أو حجز إلكتروني مسبق، أو تدفُّق مالي بالعملة الصعبة لا يملكه، حيث تتعدى أسعار الليلة الواحدة في بعض القرى الساحلية أرقامًا خيالية تجاوزت 50 ألف جنيه مصري، ليفهم أن المكان الذي كان جزءًا من المجال العام المفتوح للجميع، قد صار فجأة ملكية خاصة لمن يستطيع دفع الثمن!

 

من دون إعلان رسمي عن مصادرة حق المصريين في شواطئهم، يصحو الناس ذات صباح ليروا أن البحر ما زال في مكانه، تتلاطم أمواجه بالصخور، لكنه لم يعد ملكهم ولا متاحًا لهم. المشكلة إذن ليست في قرية سياحية مصيفية مثل "مراسي" بحد ذاتها، ولا في شاطئ بعينه استورد تقاليد الفصل بين طبقات المجتمع، ولا في منتجع فاخر قرر تنقيح زواره عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي وبوابات التفتيش الطبقي.. 

إنما في ظاهرة أكبر وأشد ضراوة: ماذا يحدث للمجتمع والدولة عندما تتحول الشواطئ، ونهر النيل، والحدائق، والأرصفة، والمتنفسات العامة، إلى جزر مغلقة تُدار بمنطق الجباية والسوق، وتُقسَّم فيها المساحات العمرانية والجغرافية وفق القدرة على الدفع؟

 

في هذه اللحظة تحديدًا، تتحول قصة الشاطئ من مجرد نزاع صيفي على شريط رملي إلى وثيقة اتهام سياسية وإنسانية. تصبح قصة وطن يتآكل فيه المجال العام، وتضيق فيه المساحات التي يستطيع فيها المواطن أن يقف إلى جوار أخيه المواطن دون أن يسأله حارس البوابة عن بطاقة عضويته، أو طراز سيارته، أو رقم حسابه البنكي، أو اسم المنتجع الفاخر الذي ينتمي إليه، كي يُسمح له بمجرد "رؤية البحر"!

 

من عزبة الباشا إلى الكمبوند.. ثم جيتو الساحل

قبل ثورة يوليو 1952 في مصر، بدأت ظاهرة المجتمعات المغلقة حيث عاشت الجاليات الأجنبية المتميزة، والطبقة الارستقراطية والاقطاعية المالكة للأراضي بمعزل عن عامة الناس في قصور كبرى وعزب خاصة، بعضها كان يسمى “عزبة الباشا” وبعضها الآخر باسم “عزبة البيه”، حيث كان العزل الطبقي الحاد بين الفلاحين وعامة الشعب والنخب الارستقراطية وأصحاب النفوذ والطبقة الحاكمة.

 

في "عزبة الباشا" لم يكن يُسمح للفلاح أن يمر إلا إذا كان أحد الأجراء الذين يعملون في الأرض الزراعية بالعزبة، لكنه حتي بعد مروره لم يكن يستطيع الاقتراب من قصر الباشا أو "سرايا البيه"، وهذكا كان واقع الإقطاع المصري على مدار سنوات عديدة حتى تغير الواقع بعد يوليو 1952 ليستمر عقودًا في الانحياز للعمال والفلاحين.

 

وفي منتصف التسعينيات من القرن الماضي، بدأت ثقافة الكمبوندات (المجمعات السكنية المغلقة) في الظهور بمصر، حيث جاءت  بوعد آخر للمقتدرين ينص على الحصول، عند الدفع، على نسخة محسنة من الحياة عبر شوارع أنظف، وأشجار أكثر، وأمن أفضل، وخدمات أكثر انتظامًا، وهدوء لا توفره المدينة التي تُركت خلف السور. 

 

وهنا بدأ التحول الحقيقي نحو خصخصة الشارع والهدوء، حيث لم يعد الأمر مجرد شراء شقة أو فيلا، وإنما شراء حق في نمط حياة مختلف. أنت لا تشتري العقار وحده، بل تشتري الشارع الذي أمامه، والحديقة التي بجواره، والأمن الذي يحرسه، والهدوء الذي يمنع الآخرين من الوصول إليه، لتتحول الفكرة إلى شراء مسافة أمان تفصل الساكن عن مشكلات المدينة القديمة واكتظاظها. 

 

وهكذا لم تعد الأسوار مجرد وسيلة لتنظيم السكن، بل أصبحت جزءًا من تعريف المكان؛ إذ صار لكل مجتمع مغلق بوابة، ولكل بوابة حارس، ولكل حارس قائمة، ولكل قائمة شروط، ولكل شروط فلسفة اجتماعية غير مكتوبة تقول بوضوح إنه ليس كل من يستطيع الوصول إلى المكان يحق له أن يكون فيه.

 

ثم جاء الساحل الشمالي ليأخذ هذه الفكرة إلى أقصى مدادها الجغرافي والنفسي. لم يعد الأمر مجرد كمبوند كبير على البحر، وإنما نشأت منظومة كاملة من المدن والقرى والمنتجعات التي تقدم نفسها باعتبارها عوالم مستقلة: لها شواطئها، ومطاعمها، ونواديها، وطرقها، وأمنها، وقواعدها، وأحيانًا نظامها الخاص في تحديد من يدخل ومن لا يدخل. 

 

وهكذا انتقلنا سريعًا من المدينة المغلقة إلى الساحل المغلق. لكن أزمة المنتجعات أصبحت أبعد بكثير من كونها خلافًا على رسوم شاطئ أو طريقة دخول ضيف؛ فحين يصبح البحر نفسه جزءًا من منظومة الفرز الطبقي، فإن السؤال لم يعد عن المبلغ الذي سيدفعه المالك أو كيفية حصول الضيف على الكود، وإنما يتركز حول من يملك حق الوصول إلى المكان العام ومن يملك سلطة وضع الحدود حوله.

 

في «جيتو الساحل»، تكتمل الدائرة القاسية للمجتمعات المغلقة؛ إذ لا يكفي أن تكون مواطنًا، ولا يكفي حتى أن تكون قادرًا على دفع ثمن الإقامة، وإنما يصبح عليك أن تثبت أنك مسموح لك بالدخول عبر اختبارات الأهلية الاجتماعية.

 

ليست المشكلة إذن في رغبة الأغنياء بالهدوء، فهذا حق طبيعي لا يجادل فيه أحد، وليست المشكلة في سعى الشركات لحماية منشآتها وتنظيم حركة الدخول إليها، فهذا مفهوم في الحدود التي يسمح بها القانون والعقد. 

 

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخصوصية إلى حق في إقصاء الآخرين من المجال العام، وعندما تتحول الإدارة الخاصة للمكان إلى سلطة تتجاوز حدود الملكية الخاصة، وعندما يصبح تنظيم الدخول طريقة لإعادة تعريف من هو المقبول ومن هو غير المرغوب فيه. فالملكية الخاصة شيء، والسيادة على المجال العام شيء آخر تمامًا.

فلسفة العزبة بأقنعة حديثة

إن ما نشهده اليوم ليس اختراعًا معاصرًا بالكامل ولد من رحم شركات التسويق العقاري، بل هو في جوهره إعادة بعث وتحديث لـ «فلسفة العزبة» التي استقرت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ففي العزبة التاريخية، كانت المساحة الجغرافية بحدودها ومنازلها وشوارعها ومواردها تخضع لملكية حصرية للباشا أو الإقطاعي. 

 

كانت السيطرة قائمة على التبعية المباشرة؛ حيث يرسم ناظر العزبة حدود الحركة، ويقرر الخفير من يدخل ومن يخرج، ويتوقف وجود المواطن العادي داخل المكان على قدرته على أداء الوظيفة أو الخدمة. كانت جغرافيا العزبة هي النقيض المباشر لمفهوم المدينة العامة التي يتساوى فيها الأفراد بصفتهم مواطنين.

 

والآن يعاد إنتاج نموذج العزبة ولكن بقناع تكنولوجي وعقاري يناسب نظام السوق المفتوح. يتجلى ذلك أولًا في استبدال الخفير بالأمن الخاص والتكنولوجيا؛ إذ لم يعد حارس العزبة يحمل عصاه التقليدية، بل استُبدل برجل أمن يحمل جهازا لاسلكيا، وبوابات بيومترية، وأكواد إلكترونية (QR Codes) تصدر بناءً على القدرة المالية للزائر. 

 

كما ظهر التحول ثانيًا في استبدال «الباشا» بشركة التطوير العقاري، حيث تحولت الملكية من الإقطاعي الفرد إلى مجلس إدارة الشركة أو صندوق الاستثمار، الذي يتعامل مع القطاع الجغرافي المخصص له بوصفه "جمهورية خاصة" تملك حق وضع التشريعات، وتحصيل الرسوم، وحظر التجول، وتحديد طبيعة الزوار.

الدستور المذبوح على شواطئ الاستثمار

ينص الدستور المصري في مادته الرابعة والأربعين وما يليها من مواد تمس حماية الملكية العامة والمجال العام، على أن حق كل مواطن في التمتع بالبحار والشواطئ ونهر النيل مكفول، وتلتزم الدولة بحماية هذه الأصول الوطنية وإزالة التعديات عليها، ومنع الإضرار بالبيئة النهرية والبحرية.

 

هذه النصوص لم تُكتب لتكون مجرد زخرف لفظي يُتلى في الاحتفالات الرسمية، ولا جملة إنشائية تُستدعى حين يتحدث المسؤولون عن جمال الطبيعة المصرية. إنها قواعد دستورية حاسمة، تعكس العِقد الاجتماعي الذي قام عليه مفهوم الدولة الحديثة.

 

لكن الفارق بين النص الدستوري والواقع أضحى أعمق من المحيط نفسه. هناك بون شاسع بين أن تقول الإدارة السياسية: «نحن نشجع الاستثمار العقاري والسياحي وننظم الاستفادة من الشواطئ»، وبين أن ينتهي المطاف عمليًا إلى تحويل حق الوصول للماء إلى امتياز حصرِيّ لا يناله إلا كبار الأثرياء والنخب المخملية. 

 

الملكية الخاصة حرة ومصونة في إطار القانون، وحق المستثمر أن يبني فندقًا، وأن يحدد أسعار خدماته الفندقية والتجارية، وأن يجني الأرباح التي يتيحها له عقده وتراخيصه. لكن السؤال المسكوت عنه في أروقة الوزارات والشركات العقارية هو: أين ينتهي حق المستثمر، وأين يبدأ حق المواطن؟

 

إن الشاطئ لم يكن يومًا اختراعًا لشركة عقارية مصرية كانت أو أجنبية أو حتى عابرة للقارات، والبحر لم يُدرج في البورصة كمرفق خاص، والنيل الخالد لم يتحول بعد إلى ملكية مسجلة باسم سلسلة مطاعم أو كمبوند سكني استباح ضفافه! 

حين تُوضع لافتة "خاص" على امتداد الساحل والنهر- في ساحل يمتد لنحو 500 كيلومتر من الإسكندرية إلى مرسى مطروح بات شبه مختفٍ خلف الأسوار والمنتجعات المغلقة- فإن السلطة هنا لا تنظم الاستثمار، بل تتنازل عن مسؤوليتها في صون حق المواطن في مجال عام كفله له الدستور.  

وربما تكون أكثر الصور اختصارًا لأزمة المجال العام في مصر الآن: أن ترى الشيء ولا تستطيع استخدامه، لأن بينك وبينه سورًا أو بوابة أو رسم دخول كبير أو لائحة أو حارسًا. والأكثر قسوة أن الأمر لا يحتاج دائمًا إلى قرار مكتوب يقول للفقراء: «لا تدخلوا». 

يكفي أن يصبح السعر مرتفعًا بما يكفي (حيث تصل رسوم دخول الشواطئ الفاخرة إلى 2000 حتى 5000 جنيه للفرد)، ويكفي أن تكون الإجراءات معقدة بما يكفي، ويكفي أن تصبح البيئة الاجتماعية للمكان مختلفة إلى الدرجة التي تجعلك تشعر بأنك دخيل.

 

إن نقد هذه الظاهرة لا ينطلق من كراهية للثراء أو رفض للمشاريع العقارية؛ بل من التمسك بالحد الفاصل بين الربح التجاري وبين مصادرة الطبيعة. هناك فارق هائل بين أن تبيع شركة وحدة سكنية بإطلالة بحرية، وبين أن يتحول البحر نفسه إلى امتياز طبقي مغلق. وهناك فارق بين أن يدفع المواطن مقابل استخدام فندق أو نادٍ خاص، وبين أن يشعر أن الوصول إلى الشاطئ في وطنه أصبح امتيازًا لا يناله إلا من يحمل الكود المناسب.

 

إذا كان الغني يستطيع شراء الهدوء، فمن حق الدولة أن توفر لغير القادر مساحة لا يشتريها أحد. وإذا كان الغني يستطيع شراء شاطئ داخل منتجع، فمن حق المواطن العادي أن يجد شاطئًا عامًا كريمًا. وإذا كان الغني يستطيع شراء مدينة صغيرة خلف سور، فمن حق بقية المصريين- الذين يتجاوز عددهم 105 ملايين نسمة - أن يعيشوا في مدينة كبيرة لا تشعرهم بأنهم أقل شأنًا لأنهم لم يستطيعوا دفع الثمن.

الوطن ليس منطقة خاصة

في النهاية، أزمة الساحل وبوابات الكمبوندات ونهر النيل ليست مجرد حكاية صيفية ترحل بقدوم الخريف؛ بل هي جرس إنذار يقرع جدران الوطن. إن المجتمع الذي يفقد مساحاته المشتركة، ويُحرِم فقراءه وطبقته الوسطى من مجرد الجلوس أمام البحر أو النهر، هو مجتمع يفقد بالتدريج قدرته على التعايش، ويفقد إحساسه بذاته كجماعة وطنية واحدة تجمعها أرض واحدة ومصير واحد.

وهنا لا تعود الحكاية حكاية عقار أو منتجع أو باركود؛ إنها حكاية وطن تتغير فيه حدود المجال العام بصمت، حتى نستيقظ يومًا فنكتشف أن الأشياء التي كانت حقًا للجميع أصبحت امتيازات لمن يستطيع الدفع. إن البحر ليس ترفًا، والنيل ليس مجرد خلفية بصرية، والمواطن المصري ليس "زائرًا غريبًا" يحتاج إلى كود كي يتحرك في أرجاء بلاده. 

اتركوا للمصريين شيئًا من وطنهم.. اتركوهم يتنفسوا هواءه، ويلمسوا ماءه، ويستظلوا بأشجاره، قبل أن يستيقظ الجميع ليكتشفوا أن الوطن بكامله قد تحول إلى منطقة خاصة يُمنع دخولها على أصحاب الأرض!