ازرعوا الأمل.. وكفى تخويفًا!
من حق كل مصري أن يخاف على مصر من الفوضى ومن تكرار ما حدث في يناير2011.. لكن الأهم: كيف نمنع الوصول لتلك اللحظة أصلًا؟! ماذا يجب على الحكومة فعله حتى تفوت الفرصة على كل متربص بالبلاد ومن يسعى لجرجرتها إلى الوراء؟ وهل آن الأوان لمراجعة سياساتها التي تدفع الناس للغضب دفعًا؟!
التحذير من الفوضى لا يكفى.. الأهم أن نمنع أسبابها ومن يتحين اللحظة لركوب الموجة كالعادة!
أتفق مع ما قاله الدكتور عبد الرحمن نجاح في رده على كلام الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري: الخطر ليس في أن نخاف على مصر من الفوضى، وإنما في أن نحذر الناس من نتائج الغضب، بينما نترك أسبابه تتراكم.
هناك من يحذر من تكرار الخامس والعشرين من يناير، ومن استغلال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لإشعال الشارع. والخوف على الوطن واجب، لكن السؤال الأهم: لماذا يغضب الناس أصلًا؟
فالخوف قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يطفئ أسبابه، والتخويف قد يدفع المواطن إلى الصمت، لكنه لا يصنع الرضا. أما الوعي حين يرتبط بالفقر والظلم وانسداد الأفق، فلا يمكن إسكاتُه طويلًا. فإذا لم يجد الشاب عملًا يبني مستقبله، ويرى أمامه ثراءً فاحشًا وامتيازات لا يفهم مصادرها، لا يحتاج إلى من يقول له إن البلد في خطر؛ هو يشعر بالخطر في حياته ومستقبل أسرته؟!
المشكلة ليست الغلاء وحده، وإنما الإحساس بقلة الحيلة وانعدام الوسيلة، بينما يرى في إعلانات الميديا ما يحير العقل ويعكر صفو الحياة، وحدات فارهة ومصايف فاخرة وسيارات فخمة بينما لا يجد البعض قوت يومه!
فالمواطن لا يطلب دولة بلا أزمات، وإنما دولة يتساوى فيها الناس أمام القانون، وتتوزع أعباؤها بعدالة، وتكون فيها الكفاءة طريقًا للنجاح، لا المال والنفوذ والواسطة. لذلك يجب أن يتغير السؤال: بدلًا من كيف نمنع الناس من الغضب؟ نسأل: كيف نمنع أسباب الغضب من التراكم؟
واجهوا الفساد والاحتكار واستغلال النفوذ، واضبطوا الأسواق، وافتحوا أبواب العمل وتكافؤ الفرص. فالتنمية ليست طرقًا ومدنًا ومشروعات فقط؛ التنمية أن يشعر المواطن بثمارها في دخله وحياته وكرامته.
الفراغ لا يبقى فراغًا. وحين تضعف الأحزاب، ولا يشعر المواطن بأن البرلمان صوته الذي يعبر عن متاعبه وآماله ولا يجد عافية في المجتمع المدني، ولا وسيلة إعلامية تعبر عنه ولا يجد مؤسسة يسمع فيها صوته، يتحول الألم إلى غضب، والغضب إلى احتقان، ويصبح المجتمع أكثر قابلية لمن يجيد تنظيم هذا الغضب واستغلاله.
لذلك فإن فتح المجال العام ليس خطرًا على الدولة، بل أحد سبل حمايتها. نحتاج أحزابًا حقيقية، وبرلمانًا يعبر عن الناس ويراقب الحكومة، وصحافة مهنية حرة، وإعلامًا يسأل: لماذا يغضب الناس؟ لا إعلامًا يكتفي بالقول لهم: لا تغضبوا.
الدولة القوية ليست التي تمنع الصوت المخالف، وإنما التي تستطيع سماعه وتصحيح أخطائها دون أن تهتز. ولا نخطئ في فهم «آه» التي يطلقها المواطن. ليس كل من يقول «آه» يريد إسقاط الدولة؛ أحيانًا تكون «آه» مجرد صوت إنسان يتألم. والواجب ليس أن نطالبه بكتمها، وإنما أن نسأل: ما الذي أوجعه؟
إذا كنا نخاف من الفوضى، فلنعالج أسبابها قبل نتائجها. وإذا كنا نخاف من استغلال الغاضبين، فلنمنحهم بدائل وطنية حقيقية. وإذا كنا نخاف على الدولة، فلنقوِّ مؤسساتها بالعدالة والشفافية والحوار، لا بالخوف وحده.
ارفعوا سيف الدولة على الفساد لا على الشكوى، وعلى الاحتكار لا على المواطن، وعلى استغلال النفوذ لا على من يصرخ من وجعه. فالأوطان لا يحميها خوف الناس من المستقبل، وإنما يحميها عدل الحاضر وأمل المستقبل.