محمد صلاح.. ودلالة الاستقبال الأسطوري في تركيا!
الاستقبال الأسطوري الذي لقيه محمد صلاح في تركيا يطرح أسئلة مهمة: هل تكفي الموهبة وحدها للوصول إلى القمة؟! أم أن الموهبة تحتاج لمقومات أخرى لا تتوفر لكثير من أصحاب المواهب؟!
لم يكن المشهد الذي رافق استقبال محمد صلاح في تركيا مجرد احتفاء بلاعب انتقل من نادٍ إلى آخر، فالعالم شهد انتقالات أسطورية لنجوم أكبر قيمة سوقية وأكثر ألقابًا، ولم تخرج الجماهير بهذا الزخم، ولم تتحول الشوارع إلى مهرجان من المحبة والعفوية.
فما الذي يجعل اسم محمد صلاح يثير كل هذا الشغف أينما حل؟ ولماذا أصبح حضوره حدثًا يتجاوز الرياضة إلى ما يشبه الاحتفاء برمز إنساني؟
الإجابة لا تكمن في القدم اليسرى التي سجلت مئات الأهداف، ولا في السرعة أو المهارة أو الأرقام القياسية، وإنما في قصة إنسان نجح في أن ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر على منافسيه.
محمد صلاح لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، ولم يشق طريقه عبر أبواب مفتوحة أو امتيازات خاصة، بل خرج من قرية مصرية بسيطة، هى قرية نجربج مركز بسيون غربية.. يحمل حلمًا أكبر من إمكاناته، ويؤمن بأن الطريق إلى العالمية يبدأ بخطوة، وأن الموهبة لا قيمة لها إذا لم يحرسها الانضباط، والعمل، والصبر.
كانت البداية من الملاعب المصرية، ثم جاءت محطة الاحتراف في سويسرا، ومنها إلى تشيلسي في إنجلترا، حيث اصطدم بواقع مختلف ولم يحصل على الفرصة التي كان يحلم بها. وكان يمكن أن تنتهي القصة هناك كما انتهت قصص مئات اللاعبين، لكنه رفض أن تكون أول عثرة هي نهاية الطريق.
انتقل إلى إيطاليا، فتألق مع فيورنتينا ثم روما، وأعاد اكتشاف نفسه لاعبًا أكثر نضجًا وثقة، قبل أن يعود إلى إنجلترا من الباب الكبير، لينضم إلى ليفربول ويبدأ الفصل الأجمل في مسيرته.
هناك لم يكتف بإحراز الأهداف وصناعة البطولات، بل أعاد تعريف معنى الاستمرارية. موسم ناجح تبعه موسم أكثر نجاحًا، ثم آخر، حتى أصبح اسمه حاضرًا بين عظماء الدوري الإنجليزي، وحطم أرقامًا قياسية، وقاد فريقه إلى منصات التتويج المحلية والقارية والعالمية، وأصبح أحد أبرز نجوم الكرة العالمية لعقد كامل تقريبًا، وهي مدة لا يصمد خلالها على القمة إلا أصحاب الإرادة الحديدية.
وهنا تكمن عبقرية محمد صلاح. فالوصول إلى القمة قد تصنعه موهبة استثنائية أو موسم استثنائي، أما البقاء فوقها فيحتاج إلى عقلية استثنائية. يحتاج إلى لاعب يستيقظ كل صباح وكأنه لم يحقق شيئًا بعد، ويتعامل مع كل نجاح باعتباره بداية نجاح جديد، لا نهاية الرحلة.
ولذلك لم يكن صلاح أسير أمجاده، بل ظل يطور نفسه بدنيًا وفنيًا وذهنيًا، حتى أصبحت المحافظة على مستواه إنجازًا لا يقل قيمة عن كل البطولات التي حققها.
ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي يقدمه للأجيال. فكثير من شبابنا يظنون أن المشكلة في الظروف، أو في الإمكانات، أو في الغربة، بينما تثبت تجربة صلاح أن هذه العقبات قد تؤخر النجاح لكنها لا تمنعه. فالظروف الصعبة ليست حكمًا نهائيًا، وإنما امتحان للإرادة. والغربة ليست لعنة، وإنما فرصة لإثبات الذات. والموهبة ليست ضمانًا للنجاح، وإنما مسؤولية تحتاج إلى إدارة واعية، وتدريب مستمر، ورغبة لا تنطفئ في التعلم والتطور.
ولم تقتصر عظمة صلاح على المستطيل الأخضر. فقد حافظ على صورة أخلاقية نادرة في زمن أصبحت الشهرة فيه تقترن بالصخب والاستعراض. بقي متواضعًا رغم المجد، قريبًا من الناس رغم النجومية، مرتبطًا بوطنه رغم العالمية، حتى أصبح بالنسبة للملايين نموذجًا يحترم قبل أن يُشجع، ويُحتذى به قبل أن يُصفق له.
وهكذا تجاوز محمد صلاح حدود كرة القدم، وتحول إلى أحد أهم وجوه القوة الناعمة المصرية. فحين يحتفي به في إسطنبول أو لندن أو أي مدينة أخرى، فإن هذا الاحتفاء لا يخص شخصه وحده، بل ينعكس على صورة مصر كلها. إنه يقدم للعالم وجهًا آخر للمصري؛ وجه الإنسان المجتهد، المنضبط، المبدع، القادر على المنافسة في أصعب البيئات، دون أن يتخلى عن هويته أو قيمه.
وربما لهذا السبب لم يعد محمد صلاح مجرد لاعب كرة قدم، بل أصبح حالة أمل. وطاقة نور تؤكد أن الأحلام الكبيرة لا تعرف الجغرافيا، وأن النجاح لا تورثه العائلات ولا تشتريه الأموال، وإنما يصنعه الإيمان بالنفس، وحسن إدارة الموهبة، والقدرة على تحويل كل نجاح إلى نقطة انطلاق نحو نجاح أكبر.
إن الأمم لا تصنع نهضتها بالخطب وحدها، بل بالنماذج الحية التي تلهم أبناءها. ومحمد صلاح واحد من تلك النماذج النادرة التي ينبغي أن تُروى قصتها في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، لأنها تعلم الأجيال أن المجد لا يأتي صدفة، وأن الوصول إلى القمة إنجاز، أما البقاء عليها فهو البطولة الحقيقية.
صدقوني مو صلاح ترند في كل مكان يذهب إليه. وأسطورة مصرية عالمية يعرف طريقه جيدا ويعرف ماذا يريد. افرحوا بابن بلدكم محمد صلاح.