فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

متى تفعلها نقابة الصحفيين؟!

حسنًا فعلت نقابة المحامين حين امتلكت شجاعة مراجعة جداولها، واتخذت قرارًا بإسقاط قيد آلاف الأعضاء الذين لم تعد تنطبق عليهم شروط القيد أو ممارسة المهنة. فالغاية من النقابات المهنية ليست تضخيم أعداد المنتسبين إليها، وإنما حماية المهنة وصون هيبتها، وضمان ألا يحمل لقبها إلا من يستحقه. 

 

وهنا يفرض الواقع سؤالًا مشروعًا: هل تحذو نقابة الصحفيين حذو جارتها، فتفتح ملف تنقية جداولها بعد سنوات طويلة شهدت تسرب أعداد من غير المشتغلين بالمهنة، خاصة بعد أحداث يناير 2011، حين تحولت العضوية لدى البعض إلى وسيلة للحصول على بدل التكنولوجيا أو وجاهة اجتماعية، أكثر منها عنوانًا لممارسة صحفية حقيقية؟


ولا يخفى على أحد أن الوسط الصحفي يعرف جيدًا كيف استغلت بعض الصحف الخاصة ورقة التعيين لتحقيق مكاسب مادية، أو لممارسة ضغوط على شباب الصحفيين، حتى غدا القيد في بعض الحالات بابًا للتربح والابتزاز، بينما ظلت النقابة، بمجلسها وجمعيتها العمومية، تدرك حجم المشكلة دون أن تتخذ خطوات حاسمة تعيد الانضباط إلى جداولها، أو تتشدد في تطبيق معايير القيد بما يحفظ للمهنة مكانتها.


أثار قرار نقابة المحامين بإسقاط قيد آلاف الأعضاء نقاشًا واسعًا حول حق النقابات المهنية في مراجعة جداولها، والتأكد من استمرار توافر شروط القيد وممارسة المهنة. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل آن الأوان لأن تقوم نقابة الصحفيين المصرية بالمراجعة نفسها، ولكن وفق معايير قانونية عادلة وشفافة تحفظ الحقوق ولا تظلم أحدًا؟


لا يخفى على أحد أن السنوات التي أعقبت أحداث يناير 2011 شهدت توسعًا غير مسبوق في إصدار الصحف والمواقع، بعضها كان مشروعًا ومهنيًا، وبعضها الآخر اتخذ من التعيين سلعة تباع وتشترى، أو وسيلة لتحقيق مكاسب مالية، مستغلًا حلم الشباب في الحصول على عضوية النقابة وما يرتبط بها من مزايا، وعلى رأسها بدل التكنولوجيا. 

ومع مرور الوقت، تسرب إلى الجداول من لا يمارس المهنة أصلًا، ومن تركها منذ سنوات، ومن اتخذ لقب "صحفي" وسيلة للوجاهة الاجتماعية أو لتحقيق مصالح شخصية.


والأخطر من ذلك أن بعض الصحف الخاصة ــ كما يردد كثير من أبناء المهنةــ استغلت ورقة التعيين لابتزاز العاملين فيها، فصار القيد في النقابة أحيانًا رهينًا باعتبارات لا علاقة لها بالكفاءة أو الإنتاج الصحفي، بينما ظلت الشكاوى تتكرر دون معالجة جذرية.


وإذا كانت الدولة لا تتسامح مع من ينتحل صفة قاضٍ أو طبيب أو ضابط شرطة أو دكتور، لأن في ذلك اعتداءً على هيبة المهنة وحقوق المجتمع، فمن المنطقي أيضًا ألا يُسمح بانتحال صفة الصحفي أو الإعلامي. فالصحافة ليست بطاقة تعريف، بل مسؤولية ورسالة، ومن لا يمارسها فعلًا لا ينبغي أن يحمل لقبها.


ولعل ما يثير علامات الاستفهام أن هذه الأزمة ليست خافية على أحد. فهي معروفة داخل الوسط الصحفي، ويتداولها أعضاء الجمعية العمومية، ويعرفها مجالس النقابة المتعاقبة. ومع ذلك بقيت المعالجة محدودة، وربما حالت اعتبارات انتخابية دون اتخاذ قرارات حاسمة، خشية خسارة أصوات انتخابية، حتى أصبح تضخم الجداول مشكلة تهدد المهنة ذاتها.


غير أن تنقية الجداول يجب ألا تتحول إلى حملة عشوائية أو وسيلة لتصفية الخصومات، وإنما إلى عملية مؤسسية عادلة تقوم على معايير معلنة، من بينها: إثبات الممارسة الفعلية للمهنة، والانتظام في العمل الصحفي، وتقديم نماذج منشورة أو موثقة، ومراجعة دورية للقيد كل عدة سنوات، مع منح كل عضو حق التظلم والطعن وفقًا للقانون.


كما أن المسؤولية لا تقع على النقابة وحدها، بل تمتد إلى بعض الصحف الخاصة التي تمنح خطابات التعيين دون وجود عمل حقيقي، وإلى الجهات الرقابية المختصة التي ينبغي أن تواجه أي استغلال أو اتجار بفرص القيد، حتى لا تتحول عضوية النقابة إلى سلعة في سوق السماسرة.


إن حماية الصحفي الحقيقي لا تكون بتوسيع الجداول بلا ضابط، وإنما بصيانة قيمة العضوية، وحفظ هيبة اللقب، والدفاع عن حقوق من يمارسون المهنة بالفعل. فكل عضو غير مستحق يزاحم صحفيًا حقيقيًا على موارد النقابة وخدماتها وتمثيلها، ويضعف ثقة المجتمع في المؤسسة التي يفترض أنها تمثل أهل المهنة.

إن السؤال اليوم ليس: هل تحتاج نقابة الصحفيين إلى تنقية جداولها؟ بل: متى تبدأ هذه المراجعة الشاملة، وبأي آليات تحقق العدالة والشفافية؟ فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، والبيت الذي لا ينظف صفوفه بنفسه يفتح الباب لغيره كي يشكك في رسالته. 

وربما يكون من المناسب أن تستلهم نقابة الصحفيين تجربة جارتها نقابة المحامين، لا بنقلها حرفيًا، وإنما بالاستفادة من فلسفتها: أن العضوية شرف واستحقاق، وليست حقًا أبديًا ينفصل عن ممارسة المهنة، وأن بقاء الجداول نقية هو الضمانة الأولى لبقاء الصحافة مهنة، لا مجرد لقب يُعلَّق على بطاقة.