كابوس التقنين
تتواصل فصول مأساة تقنين أراضي الدولة في قرى محافظة الجيزة، حيث تتحول حقوق المواطن في زراعة الأرض والسكن الآمن إلى ساحة للجباية، وتُستخدم لافتات التطوير والتقنين غطاءً لممارسات يرى الأهالي أنها تتجاوز روح القانون والعدالة الاجتماعية..
فبدلًا من تملك أراضيهم ومساكنهم التي يزرعونها أو يقطنون بها منذ عشرات السنين، تصر الجهات الحكومية على تأجيرها لهم، وتقدير مبالغ مغالٍ فيها جدا، لسعر المتر في الإيجار في تلك القرى التي يعاني أهلها من قلة ذات اليد.
جرس الخطر في ريف الجيزة
عندما قرعنا في "فيتو" جرس الخطر في السابع عشر من يوليو الماضي، وتناولنا أزمة قرية أبوغالب بمركز منشأة القناطر في محافظة الجيزة، كإحدى القرى المضارة بالقرارات الحكومية، لم نكن نمارس رفاهية الكتابة، ولم نقف في خندق انتقاد الحكومة ومحافظة الجيزة لمجرد الانتقاد. كنا نقرأ في الأفق ملامح انفجار صامت، ونرى أهالينا في الريف المصري يُدفعون دفعًا إلى الحائط.
واليوم، ونحن نضع ما لدينا من وقائع وأوراق أمام محافظ الجيزة والرأي العام، تبدو الأزمة وقد تجاوزت حدود القيمة المالية محل الخلاف، لتصل إلى ما يعتبره الأهالي خديعة لا يمكن السكوت عليها.
يتساءل المواطن البسيط في حوض الرمال، الحوض رقم 7، بأبو غالب: كيف تُباع الأراضي الأميرية المجاورة بنظام التمليك المباشر والقطعي، بينما تُوضع أراضيه فجأة تحت ولاية جهة أخرى، بما يترتب عليه -وفقًا لما يرد في الشكاوى والأوراق المقدمة- الانتقال من خيار الشراء والتقنين النهائي إلى عقود إيجارية سنوية متغيرة؟
إن هذا التغيير في جهة الولاية يثير علامات استفهام واسعة لدى الأهالي، خصوصًا إذا كان من شأنه حرمانهم من الاستقرار، وتحويل من أفنى عمره في بناء مسكن لأسرته إلى مستأجر مؤقت، يظل مستقبله مرهونًا بقرارات إدارية متغيرة.
والأنكى من ذلك ما تكشفه الشكاوى والمستندات المقدمة من الأهالي؛ فبعد استيفاء المواطن الإجراءات المطلوبة للتقنين، وفقًا لما يستند إليه من أحكام القانون رقم 168 لسنة 2025، يظن أنه اقترب من نهاية الطريق وتمليك بيته الوحيد، قبل أن يفاجأ -بحسب رواية الأهالي- بأن جهة الولاية لا توافق على التمليك، وتكتفي بالموافقة على الإيجار.
ولا يتوقف الأمر عند الإيجار، إذ يشكو الأهالي من إضافة نسب أو أعباء مالية أخرى لصالح المحافظة فوق القيمة الإيجارية التي يتم تحديدها من الجهة صاحبة الولاية على الأرض، وهو ما يراه المتضررون عبئًا إضافيًا يثقل كاهل الأسر، ويجعل عملية التقنين أقرب إلى استنزاف مالي مستمر بدلًا من أن تكون طريقًا إلى الاستقرار.
دراما العقد الصادم
إذا أردت أن تفهم طبيعة الأزمة من وجهة نظر الأهالي، فعليك أن تطالع شروط عقد الإيجار الذي تقول الشكاوى إن المحافظة تعرضه عليهم عقدا مدته عام واحد، غير قابل للتجديد تلقائيًا، ووفق ما يورده الأهالي عن بنوده فإن هذا العقد يجعل مستقبل الأسرة السكني معلقًا على قرارات لاحقة، ويثير لديهم مخاوف من فقدان الأرض أو المسكن الذي أنفقوا عليه سنوات من أعمارهم وأموالهم.
والأخطر، بحسب ما يثار حول بعض بنود العقد، هو ما يعتبره الأهالي تضييقًا على حقهم في الاعتراض أو اللجوء إلى القضاء، وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يجوز أن يتحول العقد الإداري إلى وسيلة تشعر المواطن بأن حقه في التقاضي أصبح محل تهديد أو انتقاص؟
لقد صيغت العلاقة -من وجهة نظر الأهالي- بطريقة تجعل المواطن يشعر بأنه غريب في بيته، وأن استمراره في مسكنه مرهون بإرادة الجهة الإدارية.
وتزداد حدة الأزمة عندما نتحدث عن القيمة الإيجارية المطروحة، والتي تصل -وفق ما يورده المتضررون- إلى 280 جنيهًا للمتر سنويًا، فإذا كان المواطن يمتلك منزلًا مساحته 380 مترًا مربعًا، فإن القيمة السنوية وفق هذا السعر تصل إلى نحو 106 آلاف جنيه.
وهنا لا بد من السؤال: من أين لموظف بسيط أو فلاح في ريف الجيزة أن يوفر أكثر من مائة ألف جنيه سنويًا مقابل الاستمرار في الإقامة داخل بيته الوحيد؟
إن القضية هنا لا تتعلق بمجرد رقم في عقد؛ إنها تتعلق بقدرة أسرة كاملة على الاحتفاظ بمسكنها، وبمدى توافق إجراءات التقنين مع البعد الاجتماعي والاقتصادي الذي يفترض أن يحكمها.
المقاطعة الشعبية
في اليوم الذي كان يفترض أن يشهد لقاءً بين محافظ الجيزة الدكتور أحمد الأنصاري وأهالي المنطقة، أرادت المحافظة أن يأخد المشهد - بحسب رواية الأهالي - طابعًا إعلاميًا يوحي بانتهاء الأزمة ورضا المواطنين عن إجراءات التقنين.
أُرسلت السيارات إلى القرية لنقل الأهالي إلى مقر المحافظة، وأُعدت القاعات والميكروفونات، وكان من المفترض أن يقف المحافظ متحدثًا أمام وسائل الإعلام عن التيسيرات ونتائج إجراءات التقنين. لكن الأهالي اختاروا عدم المشاركة.
امتنع أبناء أبو غالب ومنشأة القناطر عن الحضور، باستثناء عدد محدود للغاية منهم، ورفضوا أن يتحولوا إلى مجرد خلفية لصورة إعلامية لا تعكس موقفهم الحقيقي. وغابت المشاركة التي كان ينتظرها منظمو اللقاء، فعادت السيارات دون أن تحقق الغرض الذي جاءت من أجله.
وكانت الرسالة التي نقلها الأهالي واضحة: لا نريد صورة إعلامية على حساب حقوقنا. ووفقًا لما يرويه المشاركون، شهد اللقاء عبارات احتجاجية مباشرة بل إن أحدهم قال لأحد المسئولين بالمحافظة: «هذا ظلم.. تعالَ أنت وخذ هذه البيوت وادفع نصف هذا المبلغ للدولة إذا كنت تقدر!»
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذه اللغة، فإنها تكشف حجم الغضب الذي يشعر به المواطن عندما يرى أن القرارات الإدارية لا تتناسب - من وجهة نظره - مع قدرته الاقتصادية وظروفه الاجتماعية.
إن المقاطعة، في هذه الحالة، ليست مجرد غياب عن اجتماع؛ بل رسالة احتجاج تقول إن المواطن لا يريد أن يكون رقمًا في كشوف التحصيل، ولا صورة تُستخدم في النشرات لإثبات نجاح إجراء لا يشعر هو نفسه بأنه أنصفه.
إلى أين تمضي العلاقة بين الدولة والمواطن؟
إننا نضع هذه الصورة أمام مراكز اتخاذ القرار، ونطرح أسئلة لا بد من الإجابة عنها: هل تحولت بعض الإجراءات المحلية إلى قرارات مالية منفصلة عن البعد الاجتماعي الذي يفترض أن يحكم عملية التقنين؟ كيف يمكن تفسير تغيير جهات الولاية على الأراضي، إذا كان من شأن ذلك تغيير الوضع القانوني للمواطنين وحرمانهم من خيار التمليك؟
إذا كانت هذه المبالغ تمثل حقًا مستحقًا للدولة، فأين هو البعد الاجتماعي في التعامل مع الأسر غير القادرة على سدادها؟ وإذا تضمنت عقود التقنين بنودًا تقيد حق المواطن في الاعتراض أو التقاضي، فما مدى توافق هذه البنود مع الضمانات القانونية والدستورية المقررة؟
إن تعبئة موارد الدولة لا ينبغي أن تتحول إلى عملية عصر للفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة في أقاليم مصر. فالتقنين، في جوهره، يفترض أن يكون وسيلة لإنهاء حالات عدم الاستقرار والعشوائية، وتوفير إطار قانوني واضح للعلاقة بين الدولة والمواطن، وليس سيفًا مصلتًا على رقاب الأهالي بالتهديد بالطرد أو فقدان المساكن.
لا تكسروا كبرياء الريف المصري
الفلاح والمواطن في ريف مصر كان دائمًا أحد أعمدة الدولة في أوقات الأزمات. يتحمل الغلاء، ويكابد ظروف الحياة، ويتمسك بالبقاء والعمل والإنتاج، ويحافظ على استقرار مجتمعه رغم كل الضغوط.
وإذا كان صبر الناس طويلًا، فليس معنى ذلك أنه بلا حدود، فكبرياء المواطن ليس سلعة في سوق التقنين. ومن هنا، فإن المطلوب من محافظ الجيزة ليس مجرد إدارة الأزمة، وإنما مراجعتها من جذورها، والاستماع إلى الأهالي، وفحص المستندات والقرارات محل الاعتراض، والتأكد من سلامة الإجراءات قانونيًا وعدالتها اجتماعيًا.
كما يطالب الأهالي بمراجعة العقود الإيجارية محل الاعتراض، وإعادة فحص ملف أرض حوض الرمال بأبو غالب، ودراسة إمكانية التمليك المباشر، متى كان ذلك جائزًا قانونًا، وبأسعار عادلة تراعي الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأهالي، بدلًا من تحميل الأسر أعباء إيجارية سنوية قد تعجز عن تحملها.
وإذا كانت المحافظة ترى أن هذه المباني أقيمت على أراضٍ لا يجوز تمليكها قانونًا، فعليها أن تطرح حلولًا تحفظ حق الدولة وفي الوقت نفسه تصون حق الأسر في السكن الآمن والكرامة الإنسانية، وفقًا للقانون والدستور.
فالإدارة الحقيقية ليست التي تتباهى بجمع الملايين وتحرير العقود، وإنما التي تبني جسور الثقة مع المواطن وتزرع الطمأنينة في نفوس الأهالي.