فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الرجاء.. العلاج الإلهي للخوف

في قراءات الكنيسة اليوم، الأربعاء 22 أبيب 1742 للشهداء، الموافق 29 يوليو 2026، تضع الكنيسة أمامنا واحدة من أكثر القضايا التصاقًا بحياة الإنسان، وهي الخوف. فلا يكاد يخلو قلب من قلق على المستقبل، أو خوف من المرض، أو رهبة من المجهول، أو انشغال بما قد تحمله الأيام القادمة. 

لكن اللافت أن قراءات اليوم لا تبدأ بوصف الخوف، بل تقدم العلاج. فهي تقودنا إلى الرجاء، لا باعتباره أمنية نتعلق بها، وإنما يقينًا يولد من الثقة في الله، ويمنح الإنسان سلامًا لا تصنعه الظروف.

 

ويبدأ إنجيل القداس بنداء السيد المسيح: «لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد... بل شعور رؤوسكم أيضًا جميعها محصاة» (لو 12: 4-7). إنها ليست دعوة إلى تجاهل الواقع أو إنكار الضيقة، بل إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل القلب. فالإنسان يخاف عندما يشعر أنه وحده في مواجهة الحياة، أما عندما يدرك أن الله يحيط به معرفةً وعنايةً، يتغير منظوره للأحداث. فلا تعود المشكلة هي حجم الضيقة، بل حجم الثقة في الله.

 

ثم تأتي رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل رومية لتكمل الصورة، معلنة أن «آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا» (رو 8: 18). هنا لا يقلل الرسول من قيمة الألم، ولا يطلب من الإنسان أن يتظاهر بالقوة، لكنه يضع التجربة في إطارها الصحيح. فالمؤمن لا يقيس حياته بما يمر به الآن، بل بما يعده الله له. 

ومن هذا المنطلق يعلن بولس أن الله قادر أن يجعل كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبونه، لأن يد الله تستطيع أن تُخرج من الضيقة نضجًا، ومن الضعف قوة، ومن الانتظار بركة لم تكن في الحسبان.

 

ولا تتوقف قراءات اليوم عند الرجاء الذي يملأ القلب، بل تنتقل إلى الرجاء الذي يراه الآخرون في حياتنا. ففي الكاثوليكون يوصي القديس بطرس المؤمنين أن يكونوا «مستعدين دائمًا لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم، بوداعة وخوف» (1بط 3: 15). 

وهنا يقدم الرسول مبدأً بالغ الأهمية؛ فالإيمان لا يُثبت بالصوت المرتفع، ولا بالجدال، وإنما بحياة يراها الناس. فالإنسان الذي يحتفظ بسلامه وسط الضيق، ويبارك بدل أن ينتقم، ويغفر بدل أن يكره، يقدم أعظم برهان على قوة المسيح العاملة فيه.

 

ومن اللافت أيضًا أن قراءات اليوم، رغم اختلاف أسفارها، تلتقي عند رسالة واحدة؛ فالإنجيل يحرر الإنسان من الخوف، والبولس يزرع فيه الرجاء، والكاثوليكون يحوله إلى شاهد لهذا الرجاء أمام العالم. وكأن الكنيسة تريد أن تقول إن الإيمان ليس مجرد عقيدة تُحفظ، بل حياة تُعاش، تبدأ من الداخل ثم تنعكس على كل تصرف وكل كلمة وكل موقف.

 

إن عالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأخبار التي تصنع القلق، بقدر ما يحتاج إلى أشخاص يحملون سلامًا حقيقيًا. وهذا السلام لا يُشترى، ولا يُصنع بالإمكانات البشرية، بل يولد من قلب يعرف أن الله حاضر، وأنه يعمل حتى عندما لا نفهم، وأن محبته لا تتغير مهما تبدلت الظروف.

لذلك، إذا أردنا أن نلخص رسالة قراءات الكنيسة لهذا اليوم في عبارة واحدة، فهي أن الرجاء هو العلاج الإلهي للخوف. فكلما اقترب الإنسان من الله، صغر خوفه، واتسعت رؤيته، وأصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثقة وسلام، لأنه يعلم أن يدي الآب اللتين تحفظان الكون كله، قادرتان أيضًا أن تحفظا قلبه وحياته.