فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

شعار التعليم في مصر: «اللي ما عندوش.. ما يلزموش»

تخيل أنك أبٌ مصري.. استيقظت قبل شروق الشمس آلاف المرات. عملت ليلًا ونهارًا. حرمت نفسك من السفر، ومن السيارة الجديدة، ومن أبسط متع الحياة. باعت زوجتك ذهبها، واستدنت، وأجلت كل أحلامك، فقط لأن ابنك يحلم بأن يرتدي المعطف الأبيض، أو أن يصبح مهندسًا يبني وطنه.
 

كنت تردد له كل ليلة: "ذاكر.. اجتهد... التعليم هو الطريق الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن ينتزعه منك".. تحملت سنوات الثانوية العامة بكل ما فيها من رعب وضغط نفسي ودروس خصوصية استنزفت مدخرات الأسرة، لأنك كنت تؤمن بأن الجامعة الحكومية هي الجائزة العادلة لكل هذا التعب.


ثم تأتي الصدمة..
ابنك حصل على 91%، ومع ذلك لا يجد مكانًا في كلية طب حكومية! وفي المقابل، تشير قواعد القبول المعلنة إلى أن بعض فئات الطلاب الوافدين يمكنها التقدم إلى كليات الطب الحكومية بمجموع يبدأ من 75%. فأي رسالة يتلقاها الطالب المصري من هذا المشهد؟ وأي شعور ينتاب أسرة مصرية أفنت عمرها وهي تؤمن بأن التفوق هو الطريق الوحيد لتحقيق الأحلام؟


وزارة التعليم العالي أعلنت أن عدد الطلاب الوافدين الدارسين في مصر بلغ نحو 125 ألف طالب وطالبة من 119 دولة، مع استمرار التوسع في برنامج «ادرس في مصر».


وفي كلية طب قصر العيني وحدها، يدرس 5883 طالبًا وافدًا من 58 دولة، وبلغ عدد الخريجين الوافدين هذا العام 649 طبيبًا، كما اعتمد مجلس الكلية قبول 500 طالب وافد جديد للعام الجامعي 2026/ 2027.

 

فما هو النجاح الذي حققته الحكومة عندما يشعر المواطن المصري بأن حق ابنه لم يعد يأتي أولًا داخل الجامعة التي أُنشئت من أجل أبناء المصريين. وإذا كانت الدولة تريد جذب العملة الأجنبية، فهذا هدف مشروع، لكن لماذا يكون تحقيق هذا الهدف من بوابة الجامعات الحكومية؟


أليست لدينا جامعات خاصة، وجامعات أهلية، وجامعات دولية، أُنشئت بأحدث الإمكانات، وتفرض مصروفات مرتفعة، وقادرة على استيعاب أعداد أكبر من الطلاب الوافدين، بما يحقق للدولة عائدًا كبيرًا بالنقد الأجنبي؟


أليس من المنطقي أن تكون هذه المؤسسات هي الواجهة التعليمية الدولية لمصر، بينما تظل الجامعات الحكومية تؤدي رسالتها الأصلية في خدمة أبناء الوطن؟


فالجامعات الحكومية لم تُبنَ لتكون مشروعًا استثماريًا، ولم تُنشأ لجذب الإيرادات، وإنما أقيمت من أموال المصريين، ومُولت عبر عشرات السنين من الضرائب التي دفعها الموظف، والعامل، والفلاح، وصاحب الورشة، وصاحب المعاش، وكل مواطن تحمل نصيبه في بناء هذا الوطن.


فهل أصبح من يدفع ثمن المؤسسة.. آخر من يستفيد منها؟ وهنا تتجلى المأساة الحقيقية.. فابن الأسرة المقتدرة إذا لم يلتحق بكلية الطب الحكومية، يستطيع أن يتجه إلى جامعة خاصة. قد تكون المصروفات باهظة، لكنها تظل خيارًا متاحًا. أما ابن الأسرة البسيطة، فلا يملك هذا الترف.


الأب الذي باع ذهب زوجته، أو استدان، أو حرم أسرته من أبسط احتياجاتها، لا يستطيع أن يدفع مئات الآلاف من الجنيهات، وربما ملايين الجنيهات، ليشتري مقعدًا في كلية طب خاصة. فإلى أين يذهب ابنه؟ هل أصبح الفقر سببًا لضياع الحلم؟ وهل أصبح عدم القدرة على دفع مصروفات الجامعات الخاصة يعني ببساطة أن ينتهي مستقبل الطالب؟


إذا كانت الإجابة نعم، فنحن لم نعد نتحدث عن تكافؤ فرص، وإنما عن واقع جديد عنوانه: "اللي معاه فلوس يتعلم.. واللي ما عندوش.. ما يلزموش"، هذه ليست الرسالة التي عرفها المصريون عن التعليم الحكومي.
 

لقد كان التعليم الحكومي هو السلم الذي صعد عليه آلاف الأطباء والمهندسين والعلماء الذين خرجوا من بيوت بسيطة، ولم يكن المال يومًا شرطًا للنجاح. إن الدفاع عن أولوية الطالب المصري لا يعني رفض الطالب الوافد، ولا يحمل أي إساءة له، فهو ضيف نرحب به، ووجوده محل تقدير واحترام.


لكن كل دول العالم تبدأ من قاعدة واحدة.. المواطن أولًا. ولا أحد يعتبر ذلك تمييزًا، بل هو جوهر مسؤولية الدولة تجاه شعبها.
 

إن أخطر ما في القضية ليس ضياع مقعد في كلية الطب، بل ضياع شعور الطالب المصري بأن وطنه يقف إلى جواره. فعندما يفقد الشاب ثقته في عدالة التعليم، يبدأ في فقدان ثقته في المستقبل كله، وعندما يشعر أن الاجتهاد لم يعد وحده كافيًا، فإنه سيبحث عن فرصته في مكان آخر، تمامًا كما فعل آلاف الأطباء والمهندسين والباحثين الذين غادروا مصر خلال السنوات الماضية.


إن بناء الإنسان أهم من بناء المباني، والاستثمار في العقول أهم من أي عائد مالي مؤقت. وإذا كانت الدولة حريصة على تعظيم مواردها من التعليم، فلتجعل الجامعات الخاصة والأهلية والدولية بوابة مصر لجذب الطلاب الوافدين والعملات الأجنبية، ولتترك الجامعات الحكومية تؤدي رسالتها التي أنشئت من أجلها.. حماية حق أبناء المصريين في تعليم جامعي متميز.

ويبقى السؤال الذي ينتظر ملايين المصريين إجابته: هل أُنشئت الجامعات الحكومية لخدمة أبناء الشعب المصري الذين موّلوها بضرائبهم، أم تحولت إلى مشروع يبحث عن الإيرادات حتى لو كان الثمن شعور المواطن بأن حقه لم يعد أولوية؟

فالأوطان لا تُقاس بعدد الطلاب الوافدين الذين تستقبلهم، وإنما بقدرتها على أن تجعل أبناءها يشعرون بأنهم أصحاب الحق الأول فيها. لأن الدولة التي يفقد أبناؤها الإحساس بالعدل في التعليم.. لا تخسر مقعدًا في كلية، بل تخسر ثقة جيل كامل.