فسق التحكيم.. ماذا بقي من عدالة كرة القدم؟
دائما ما أقول إن كرة القدم إكسير السعادة؛ إذ تنجح فيما فشلت فيه السياسة، تجمع ولا تفرق، تكرس المساواة وترفض التمييز والعنصرية والتحيز حتى شاهدت مباراة مصر والأرجنتين في دور 16 في مونديال 2026.
ورغم أن خسارة مباراة أمر وارد لكن ليست كل الهزائم سواء. فهناك مباريات يخسرها فريق لأنه كان أقل مستوى، وهناك مباريات يخرج منها وهو يشعر بأن ما جرى داخل الملعب لم يكن وحده من حسم النتيجة.
ومن هذا النوع كانت مباراة مصر والأرجنتين في ثمن نهائي كأس العالم؛ مباراة ستظل محل نقاش طويل، ليس بسبب الإثارة الكروية فقط، وإنما بسبب القرارات التحكيمية التي طغت على كل ما عداها.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الجدل لم يقتصر على الجماهير المصرية أو الإعلام العربي، بل امتد إلى عدد من الصحف والمنصات الرياضية الدولية التي انتقدت أداء طاقم التحكيم الفرنسي بقيادة فرانسوا ليتكسير، وطرحت تساؤلات حول طريقة استخدام تقنية الفيديو، ومدى اتساق تطبيق القانون في اللقطات الحاسمة.
وفي المقابل، كان الإعلام الفرنسي الأكثر دفاعًا عن الحكم، معتبرًا أن قراراته جاءت في إطار التطبيق الحرفي للقانون. وبين هذين الموقفين، بقي السؤال معلقًا: هل حققت تقنية الفيديو العدالة التي وُجدت من أجلها، أم أصبحت هي نفسها مصدرًا جديدًا للجدل؟
لقد انصب جانب كبير من الانتقادات على إلغاء الهدف المصري بعد العودة إلى مرحلة مبكرة من الهجمة، وهو ما اعتبره عدد من المحللين تجاوزًا لروح البروتوكول الذي يفترض أن يتدخل فقط في الأخطاء الواضحة والمؤثرة مباشرة في تسجيل الهدف. كما أثارت بعض اللقطات الأخرى، ومنها المطالبة باحتساب مخالفة لصالح محمد صلاح قبل هدف الأرجنتين، نقاشًا واسعًا حول مدى اتساق المعايير في إدارة المباراة.
والأخطر من الخطأ نفسه هو غياب التفسير. فحين تلتزم الجهات المنظمة الصمت، تزداد مساحة الشك، وتفسح المجال أمام التأويلات. ولذلك فإن الشفافية لم تعد ترفًا، بل أصبحت ضرورة لحماية مصداقية اللعبة، عبر نشر تسجيلات غرف تقنية الفيديو وتوضيح الأسس التي بُنيت عليها القرارات المصيرية.
لكن الإنصاف يقتضي أيضًا ألا يتحول الحديث عن التحكيم إلى ستار يحجب مراجعة الذات. فقد قدم المنتخب المصري بطولة استثنائية أعادت الثقة للجماهير، ونجح الكابتن حسام حسن وجهازه الفني في بناء شخصية مقاتلة للمنتخب، وبث روح الانتماء والثقة بالنفس، حتى أصبح اللاعب المصري يواجه كبار العالم دون رهبة أو شعور بالنقص. وهذا مكسب كبير يجب الحفاظ عليه.
ومع ذلك، فإن المباراة كشفت درسًا مهمًا لا يقل أهمية عن الجدل التحكيمي. فقد تراجع أداء المنتخب خلال الدقائق الأخيرة، وانخفضت القدرة على الاحتفاظ بالكرة، وتراجع التركيز تحت ضغط المباراة. وهذه تفاصيل كثيرًا ما تحسم البطولات الكبرى. فالمنتخبات العظيمة لا تعتمد فقط على الموهبة والحماس، بل تمتلك أيضًا القدرة على إدارة الوقت، وامتصاص ضغط المنافس، والحفاظ على النسق حتى صافرة النهاية.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الحكم وحده، كما لا يجوز تحميل الجهاز الفني كل أسباب الخروج. الحقيقة تقع في المنتصف. نعم، هناك قرارات تحكيمية أثارت انتقادات واسعة، ومن حق مصر أن تطالب بتفسيرها ومراجعتها. لكن من واجبنا أيضًا أن نحول هذه التجربة إلى نقطة انطلاق، وأن نراجع أخطاءنا الفنية والبدنية والنفسية، لأن الأمم التي تبحث عن المجد لا تكتفي بالاحتجاج، بل تتعلم وتتطور.
والتجربة المغربية تقدم نموذجًا يستحق الدراسة. فما حققه المنتخب المغربي لم يكن نتاج بطولة واحدة، وإنما ثمرة مشروع وطني طويل، بدأ بالاستثمار في الناشئين، وتطوير الأكاديميات، وتأهيل المدربين، وربط المنتخبات السنية بالفريق الأول، حتى أصبحت النجاحات تتكرر جيلًا بعد جيل. ومصر لا ينقصها التاريخ ولا المواهب، لكنها تحتاج إلى مشروع مؤسسي طويل النفس، يجعل الإنجاز قاعدة لا استثناء.
لقد أثبتت هذه البطولة أن مصر تملك منتخبًا قادرًا على منافسة الكبار، وأن لديها جهازًا فنيًا يستحق التقدير على ما أنجزه. لكن الطريق إلى القمة لا يكتمل إلا بالمراجعة المستمرة، والاعتراف بالأخطاء، والإصرار على تطوير المنظومة بأكملها.
قد يخسر فريق مباراة بقرار تحكيمي، لكن الأخطر أن يخسر فرصة التعلم منها. أما مصر، فإذا أحسنت قراءة هذا الدرس، فإن ما حدث أمام الأرجنتين قد يكون بداية مرحلة جديدة، لا نهايتها. مرحلة تُبنى فيها منظومة كروية قوية، ويُدافع فيها عن العدالة الرياضية بالوقائع والقانون، ويظل فيها الإيمان بأن كرة القدم يجب أن تكون ساحة للتنافس الشريف، لا ميدانًا للشكوك.
فالعدالة ليست مطلبًا لمصر وحدها، بل هي الضمانة الوحيدة لبقاء كرة القدم اللعبة التي يعشقها العالم، ويؤمن بأنها تُكافئ من يستحق، لا من يحالفه الحظ أو النفوذ.
وفي النهاية أقول: فلنبدأ فورا في اكتشاف المواهب الرياضية في كل المجالات. وما أكثرها في كافة ربوع الوطن.. صدقوني مصر زاخرة المهم نبدأ بالاختيار النزيه دون مجاملات.