الحكم بإعدام قصب السكر!
ليست كل الجرائم تُرتكب بالرصاص، فبعضها يُرتكب بقرار، أو بإهمال، أو بالصمت. وما يحدث اليوم لمحصول قصب السكر في صعيد مصر لا يمكن اعتباره مجرد تراجع في المساحات المزروعة، بل هو إنذار يقترب من الكارثة.
فعندما تنخفض المساحة المزروعة من 330 ألف فدان إلى نحو 170 ألف فدان فقط، فهذا يعني أننا فقدنا ما يقرب من 160 ألف فدان في سنوات قليلة.. أي أننا تخلصنا من نصف أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في مصر، وكأن الأمر لا يستحق حتى جرس إنذار.
المثير للدهشة أن هناك من يختزل القضية كلها في عبارة واحدة: قصب السكر يستهلك مياه كثيرة. لنناقش الأمر بالأرقام، لا بالشعارات.
صحيح أن فدان قصب السكر يستهلك ما بين 10 و12 ألف متر مكعب من المياه سنويًا، بينما يستهلك فدان بنجر السكر نحو 8 آلاف متر مكعب خلال ثمانية أشهر. لكن لماذا يتوقف الحديث هنا؟ ولماذا لا يخبرون الناس بالحقيقة كاملة؟
لماذا لا يقولون إن فدان قصب السكر ينتج نحو ضعفين ونصف كمية السكر التي ينتجها فدان البنجر؟ وإذا كانت كفاءة استخدام المياه تُقاس بحجم الإنتاج، فلماذا يُحاكم القصب برقم واحد، بينما تُخفى بقية الأرقام؟
ثم إن قصب السكر ليس مجرد محصول لإنتاج السكر، بل صناعة متكاملة، واقتصاد قائم بذاته. فهو ينتج 17 منتجًا آخر، من بينها العسل الأسود، والإيثانول المستخدم في الصناعات الطبية، والأسيتون، والخل، والسكر البني، والباجاس المستخدم في صناعة الورق والأخشاب، فضلًا عن استخدام مخلفاته في إنتاج الطاقة والسماد العضوي. فأين تذهب قيمة كل هذه الصناعات عندما تُتخذ القرارات؟
والأكثر غرابة أن مزارع القصب لم يواجه ارتفاع تكاليف الإنتاج فقط، بل تعرض أيضًا لخفض حصته من السماد الأزوتي من 13 شيكارة للفدان إلى 5 شكاير فقط. ثم نتعجب بعد ذلك من عزوفه عن زراعة القصب!
أي منطق هذا؟ نحاصر المزارع، ونقلص مستلزمات الإنتاج، ثم نطالبه بالاستمرار، وعندما يترك أرضه نقول إن زراعة القصب لم تعد مجدية! وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كان وزير الزراعة هو المسؤول الأول عن تنمية الزراعة المصرية، وحماية المحاصيل الاستراتيجية، والدفاع عن مصالح المزارعين، فكيف وصلت مساحة قصب السكر إلى هذا التراجع المخيف؟
وإذا كانت الوزارة لا تتحرك لإنقاذ محصول بهذا الحجم وهذه القيمة، فمتى تتحرك؟ وإذا لم تكن حماية الإنتاج الزراعي هي المهمة الأساسية لوزارة الزراعة، فما هي مهمتها إذن؟
الوزارة لا تُقاس بعدد البيانات، ولا بعدد الاجتماعات، ولا بحجم التصريحات، وإنما بما تحققه على الأرض. والزراعة لا تعرف المجاملات، فإما أن تزيد المساحات والإنتاج، أو تتراجع. والأرقام تقول إننا فقدنا نحو نصف مساحة القصب، وهذه حقيقة لا يمكن تجميلها أو الهروب منها.
إن الدول التي تحترم أمنها الغذائي تستمع أولًا إلى العلماء والمتخصصين، ثم تتخذ قراراتها. أما أن يُهمَّش أهل الخبرة، ويُترك محصول استراتيجي يتراجع عامًا بعد عام، فهذه مغامرة سيدفع ثمنها الجميع.
فمصانع السكر ليست مجرد مبانٍ، بل آلاف العمال. وحقول القصب ليست مجرد نبات، بل مصدر رزق لمئات الآلاف من الأسر في صعيد مصر، وشريان اقتصادي لا يجوز التفريط فيه.
والأخطر أن استمرار هذا المسار سيقودنا إلى مشهد نعرفه جيدًا: إنتاج أقل، واستيراد أكثر، وضغط أكبر على العملة الصعبة، ثم تبدأ رحلة البحث عن المبررات بعد أن تكون الخسائر قد وقعت بالفعل.
التاريخ لن يكتب أن قصب السكر مات عطشًا.. بل سيكتب أنه مات بقرار، وبصمت، وبإصرار على تجاهل أهل العلم. واذكروا جيدًا.. الأوطان لا تخسر محاصيلها الاستراتيجية فجأة، وإنما تخسرها عندما يصبح تحذير العلماء مصدر إزعاج، ويصبح تجاهلهم سياسة، حتى تتحول الكارثة إلى واقع لا ينفع معه الندم.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المصريون إجابته: من الذي يحكم على قصب السكر بالإعدام؟