فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

فرصتنا.. ويجب ألا نفرط فيها!

ثمة خيط رفيع بين الحلم والإنجاز.. فالمهمة صعبة نعم، لكنها ليست مستحيلة. والوصول إلى الدور ربع النهائي ليس حلما يسبح خارج حدود الواقع، بل هدف يمكن أن يتحول إلى حقيقة إذا دخل المنتخب المصري المباراة بالعقلية الصحيحة، مؤمنا بأن كرة القدم لا تمنح انتصاراتها للأسماء الكبيرة وحدها، ولا تنحاز دائما إلى أصحاب التاريخ والألقاب، وإنما تكافئ الفريق الأكثر إصرارا وتنظيما والأعلى تركيزا والأشد إيمانا بقدرته على تحقيق ما يراه الآخرون مستحيلا.


لقد قدمت مباراة الرأس الأخضر أمام الأرجنتين درسا كرويا بالغ الأهمية. فمنتخب لا يمتلك تاريخ الأرجنتين ولا نجومها ولا إمكاناتها استطاع أن يفرض التعادل في الوقت الأصلي، وأن يدفع أحد أبرز المرشحين للقب إلى وقت إضافي شاق. كانت الرسالة واضحة: لم يعد في كرة القدم الحديثة شيء اسمه منتخب كبير وآخر صغير. هناك فقط فريق يثق بنفسه، وفريق يدخل المباراة وهو مهزوم من الداخل.


إن أخطر ما قد يواجه المنتخب المصري ليس قوة المنافس ولا مهارة نجومه، بل الهزيمة النفسية قبل انطلاق صافرة البداية. حين يقتنع اللاعب بأن الوصول إلى دور الستة عشر هو سقف أحلامه، فإنه يضع بنفسه قيودا على طموحه، ويجعل كل خطوة إضافية تبدو بعيدة المنال. أما حين يؤمن بأنه قادر على مقارعة الكبار والانتصار عليهم، فإنه يفتح لنفسه أبواب الاحتمالات كلها.


ومن هنا تبدأ خارطة الطريق إلى الإنجاز. أول عناصرها الإيمان بالقدرات، فلا يمكن لفريق أن يصنع التاريخ وهو يدخل المباراة خائفا من اسم المنافس. وثانيها التنظيم والانضباط، لأن كرة القدم الحديثة لم تعد لعبة المواهب الفردية وحدها، بل أصبحت لعبة التفاصيل الصغيرة والالتزام التكتيكي واليقظة الذهنية طوال دقائق المباراة. 

وثالثها الإصرار، فالمباريات الكبرى لا يحسمها دائما الفريق الأفضل فنيا، وإنما الفريق الأكثر صبرا وإصرارا على القتال حتى اللحظة الأخيرة. أما العنصر الرابع فهو الروح العالية، تلك القوة الخفية التي تدفع اللاعبين إلى تجاوز حدودهم المعتادة وتمنحهم القدرة على تقديم ما لم يقدموه من قبل.


وهنا يبرز الدور المحوري للمدرب الوطني حسام حسن. فالرجل يملك ميزة لا تقل أهمية عن أي خطة فنية، وهي قدرته على إشعال الحماس داخل لاعبيه وغرس القناعة بأن المستحيل كلمة لا مكان لها داخل الملعب. لقد أثبتت تجارب كثيرة أن المنتخبات تصنع أمجادها حين يمتلك مدربها القدرة على تحويل الخوف إلى شجاعة، والشك إلى يقين، والضغوط إلى طاقة إيجابية.


وعلى المستوى الفني، تبدو الحاجة قائمة إلى توظيف كل عناصر القوة المتاحة. فهناك لاعبون قادرون على صناعة الفارق بجرأتهم ومهاراتهم الفردية، وآخرون يحتاجون إلى مزيد من التركيز والهدوء أمام المرمى، ومواهب واعدة تستحق الحصول على فرصتها في الوقت المناسب. غير أن كل هذه التفاصيل تبقى عديمة القيمة إذا غاب عنها الإيمان الجماعي بالهدف.


إن المغرب في النسخة السابقة من كأس العالم لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها كانت تملك أفضل اللاعبين في العالم، وإنما لأنها لعبت بثقة، وآمنت بحقها في المنافسة، ورفضت أن يكون دورها مجرد المشاركة. والتاريخ الكروي كله يخبرنا بأن الإنجازات الكبرى تبدأ دائما من فكرة بسيطة: أن تؤمن بنفسك قبل أن يؤمن بك الآخرون.

وفي النهاية، قد لا يكون الفارق بين كتابة التاريخ وتوديع البطولة فارقا فنيا بقدر ما هو فارق ذهني ونفسي. فإذا دخل المنتخب المصري المباراة منظما ويقظا ومتماسكا، متسلحا بالإصرار والروح العالية والثقة بالنفس والإيمان بقدراته، فإن المفاجأة لن تكون مستحيلة. 

فالنجاح لا تصنعه أسماء المنتخبات ولا بريق النجوم، وإنما تصنعه إرادة الرجال الذين يرفضون الاستسلام، ويؤمنون بأن الحلم الكبير يبدأ دائما من شجاعة الإيمان بإمكانية تحقيقه.