فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أزمة امتحان الكيمياء!

لم تكن الأزمة التي فجّرها امتحان الكيمياء في الثانوية العامة مجرد اعتراض على مستوى الصعوبة، ولن يكون من الحكمة اختزالها في سؤال تقليدي: هل الامتحان صعب أم سهل؟. فمثل هذه الأسئلة لا تفسر مشهدًا خرجت فيه آلاف الطلاب والطالبات من اللجان مثقلون بحالة من الغضب، امتدت إلى أولياء الأمور، ثم إلى معلمي الكيمياء أنفسهم، قبل أن تصل إلى وزارة التربية والتعليم.

 

ليست الأزمة في الحدث، وإنما الطريقة التي يُستقبل بها الحدث. وحين تتكرر الشكاوى من أكثر من طرف، يصبح من الضروري الإصغاء قبل إصدار الأحكام. فالطلاب تحدثوا عن امتحان تجاوز الزمن المخصص، وأولياء الأمور رأوا أبناءهم يخرجون من اللجان في حالة انهيار نفسي، بينما عبّر عدد من مدرسي المادة عن ملاحظات فنية تتعلق بصياغة بعض الأسئلة وطبيعة الوقت الممنوح مقارنة بحجم الأسئلة وما تتطلبه من تفكير ووقت للإجابة.

 

وعندما تلتقي أصوات الطلاب وأولياء الأمور وبعض أهل التخصص، فإن القضية تتجاوز الانطباعات الفردية، لتصبح مؤشرًا يستحق المراجعة.

 

في المقابل، جاءت وزارة التربية والتعليم برد حاسم، مؤكدة أن الامتحان جاء مطابقًا للمواصفات الفنية، وأن نسبة معتبرة من الأسئلة مأخوذة من النماذج الاسترشادية، وأنه لا تعديل في نموذج الإجابة، ولا إخلال بمعايير التصحيح، مع توجيه انتقادات لما وصفته باعتماد قطاع واسع من الطلاب على الدروس الخصوصية وابتعادهم عن المصادر التعليمية الرسمية.

 

قد يكون للوزارة حقها في الدفاع عن منظومة وضعتها، كما أن الحفاظ على هيبة الامتحان ضرورة لا يختلف عليها أحد. لكن المؤسسات لا تُقاس فقط بسلامة اللوائح، وإنما أيضًا بقدرتها على قراءة المزاج العام. فليس كل احتجاج دليلًا على صحة موقف المحتجين، لكنه أيضًا ليس دليلًا على خطئهم، وهنا تكمن المعضلة.

 

فالوزارة تتحدث بلغة الأرقام، بينما يتحدث قطاع ليس بالقليل من المجتمع بلغة الواقع وما حدث بالفعل. وبين اللغتين مساحة واسعة من سوء الفهم.

 

ليست المشكلة في أن يكون الامتحان صعبًا؛ فامتحانات الثانوية العامة وُجدت أصلًا للتمييز بين المستويات. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول معيار التفوق إلى سباق مع الزمن، أو إلى اختبار لتحمل الضغوط النفسية أكثر من كونه اختبارًا للمعرفة والفهم.

 

إن التعليم لا يُبنى على فكرة إرباك الطالب، وإنما على دفعه إلى التفكير. وهناك فرق كبير بين سؤال يقيس القدرة على التحليل، وسؤال يجعل الزمن نفسه جزءًا من العقوبة.

 

ولعل أكثر ما كشفت عنه هذه الأزمة هو الحقيقة التي تحاول الدولة مواجهتها منذ سنوات: أن المدرسة لم تستعد بعد مكانتها الطبيعية، وأن الدروس الخصوصية ما زالت اللاعب الأقوى في تشكيل عقل الطالب. وحين تقول الوزارة إن الطلاب اعتمدوا على "روشتات" المدرسين، فهي في الحقيقة تفتح ملفًا أكبر بكثير من امتحان الكيمياء؛ ملفًا يتعلق بمستقبل التعليم كله.

 

غير أن تحميل الطلاب وحدهم مسؤولية هذه الثقافة يبدو تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا. فالدروس الخصوصية لم تنشأ من فراغ، وإنما جاءت نتيجة تراكمات طويلة فقدت خلالها المدرسة كثيرًا من قدرتها على المنافسة.

 

إن أزمة الكيمياء ليست أزمة مادة علمية، بل أزمة ثقة. ثقة الطالب في أن جهده سيُقاس بعدالة. وثقة ولي الأمر في أن سنوات الإنفاق والمعاناة لن تتبخر في ثلاث ساعات. وثقة المعلم في أن فلسفة الامتحان واضحة ومستقرة. وثقة الوزارة في أن المجتمع سيتفهم قراراتها حتى في لحظات الغضب.

 

الدول القوية لا تخشى مراجعة أدواتها، ولا تعتبر الإنصات ضعفًا. والمراجعة هنا لا تعني خفض مستوى الامتحانات أو توزيع درجات مجانية، وإنما تعني طرح سؤال أكثر أهمية: هل تحقق منظومة التقييم الهدف الذي أُنشئت من أجله؟ وهل تقيس بالفعل مهارات التفكير التي نتحدث عنها، أم أنها أصبحت تخلق فجوة جديدة بين الطالب والعملية التعليمية؟

 

بعد أيام، سينتهي الجدل، وستُطوى أوراق الإجابة، وسيبدأ التصحيح، ثم تظهر النتيجة، ويذهب كل طرف إلى روايته الخاصة. لكن ستبقى الحقيقة الأكبر معلقة.

إن امتحان الكيمياء لم يكشف مستوى الطلاب فقط، بل كشف مستوى العلاقة بين المجتمع ومنظومة التعليم. وهذه علاقة تحتاج إلى قدر أكبر من الحوار، وأقل كثيرًا من تبادل الاتهامات.. فالتعليم، في نهاية المطاف، ليس معركة ينتصر فيها طرف ويخسر الآخر، وإنما هو المشروع الوطني الوحيد الذي إذا خسر فيه الطالب، فلن يكون هناك منتصر حقيقي.