فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

تركوا "بنت دادي" وقرروا محاكمة عربة الشاي!

أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس ضعف القوانين، وإنما ضعف العقل الذي يصنعها. فالقانون في النهاية ليس أكثر من ترجمة لطريقة التفكير. فإذا كان التفكير مرتبكًا، خرج التشريع مرتبكًا، وإذا كان التفكير يهرب من مواجهة الأسباب، خرج القانون ليطارد النتائج!

ولهذا لم أندهش عندما قرأت أن بعض السادة النواب يرون أن الحل بعد مصرع فتاة كانت تعمل على عربة مشروبات -بعد دهسها من سيارة مسرعه تقودها شابة مراهقة بدون رخصة- هو.. حظر عربات المشروبات!


للحظة ظننت أنني قرأت الخبر بالمقلوب!

عدت للخبر مرة أخرى، أبحث عن الفاعل والمفعول، عن القاتل والقتيل، عن المخطئ والضحية، لكن الخبر كان صحيحًا. السيارة التي كانت تقودها قاصر أصبحت تفصيلًا، وولي الأمر الذي سلّم مفاتيح السيارة لصديقها أصبح هامشًا، أما المتهم الرئيسي فهو.. عربة الشاي!
 

يا لها من فلسفة تشريعية مدهشة. لو أن شخصًا أطلق النار على آخر داخل مكتبة، فربما يكون الحل القادم هو إغلاق المكتبات. ولو وقع حادث داخل مستشفى، فلنمنع المستشفيات. ولو غرق أحد في البحر، فلنجرّم الوقوف أمام الشاطئ. المهم ألا نقترب من الإنسان الذي ارتكب الخطأ، لأن ذلك يتطلب شجاعة، بينما المؤلم أن بعض النواب يتعاملون مع التشريع وكأنه رد فعل انفعالي، لا عملية عقلية.

 

لكن يبدو أن بعض العقول التشريعية اكتشفت طريقًا أسهل بكثير. لماذا نواجه المشكلة وهي صعبة، بينما يمكننا أن نواجه من لا مشكلة فيه أصلًا؟ لماذا نقترب من صاحب النفوذ، بينما بائع الشاي لا يملك إلا عربته؟ لماذا نفتح ملف القيادة دون رخصة، بينما يمكننا أن نفتح ملف عربات المشروبات؟ إنها عبقرية من نوع خاص؛ عبقرية تجعلك إذا تعرضت للطعن، تعاقب المصنع الذي صنع القميص لأنه لم يمنع السكين من اختراقه.


ولو استمر هذا المنطق، فأقترح على السادة النواب حزمة قوانين جديدة توفر عليهم عناء التفكير. إذا اصطدمت سيارة بشجرة فلنقطع الأشجار. وإذا صعدت سيارة فوق الرصيف فلنلغِ الأرصفة. وإذا دهست أحد المارة فلنمنع المواطنين من عبور الشوارع. 

وإذا اقتحمت سيارة منزلًا فلنحظر النوم في الطابق الأرضي. وإذا دخلت غرفة نوم فلنصدر قانونًا يمنع النوم على الأسرة. المهم أن يظل السبب الحقيقي بعيدًا عن أي مساءلة، وأن يبقى المخطئ الحقيقي خارج دائرة التشريع، بينما ينشغل البرلمان بإعلان انتصارات وهمية على عربات المشروبات والكبدة والذرة.

 

لو كانت فتاة قد ماتت لأن قاصر يقود سيارة، فهناك سؤال واحد فقط يستحق أن يتحول إلى مشروع قانون: كيف نجعل كل من يسمح لقاصر بقيادة سيارة يخشى العقوبة أكثر مما يخشى الحادث نفسه؟ كيف نجعل الأب أو الأم يفكران ألف مرة قبل أن يسلما مفتاح السيارة لطفل؟ كيف نجعل القيادة دون رخصة جريمة حقيقية، لا مجرد مخالفة عابرة؟ هنا يبدأ التشريع... لا عند عربة الشاي.
 

لكن يبدو أن البعض يفضل السير في الاتجاه المعاكس. يتركون الجرح، ويكتبون قانونًا ضد الضمادة. يتركون النار، ويجرّمون الدخان. يتركون السيارة، ويطاردون الرصيف. ثم يتساءلون بعد ذلك: لماذا لا تنتهي الكوارث؟


لأن الكوارث لا تنتهي حين يصبح القانون منشغلًا بمسرح الجريمة أكثر من انشغاله بالمجرم. ولأن العدالة لا تتحقق عندما يكون أسهل المتهمين هو أول من يُدان. ولأن البرلمان الذي يكتفي بمطاردة البسطاء لن ينجح في ردع المستهترين.


التشريع ليس استعراضًا إعلاميًا، وليس سباقًا لإصدار أكبر عدد من المقترحات بعد كل مأساة. التشريع الحقيقي هو أن تضع يدك على مصدر الخطر، لا على أقرب شيء إليه. أما أن تتحول كل كارثة إلى فرصة لمعاقبة شخص آخر لا علاقة له بسببها، فهذه ليست صناعة قوانين.. هذه صناعة أوهام.


وأخشى أن نستيقظ يومًا فنكتشف أن المشكلة لم تعد في سلوك المستهترين، وإنما في عقلية تشريعية اعتادت أن تبحث عن المفاتيح تحت عمود الإنارة، لا لأنها سقطت هناك، ولكن لأن الضوء هناك أقوى.


أخشى أن يأتي يوم ترتفع فيه أسعار اللحوم، فيقترح أحدهم أن يصبح عيد الأضحى بالنباتات، أو ترتفع أسعار البنزين، فيقترح آخر أن نتوقف عن الخروج من منازلنا توفيرًا للوقود، أو تكثر حوادث الطرق، فيقترح ثالث إلغاء الطرق نفسها. قد يبدو هذا تهكمًا، لكنه ليس أبعد كثيرًا عن المنطق الذي يحاول دائمًا تغيير سلوك الضحية، بدلًا من ردع المتسبب في الأزمة.


القضية لم تعد في اقتراح غريب هنا أو تصريح مستفز هناك، وإنما في نمط متكرر يكشف قصورًا في طريقة التفكير. فالنائب الذي يعجز عن الوصول إلى جذور المشكلة لن ينتج إلا حلولًا شكليه.

المجتمعات لا تحترم برلمانًا يكثر من القوانين، وإنما تحترم برلمانًا يعرف أين يضع إصبعه على الجرح. أما التشريع الذي يترك المستهتر خلف المقود ويطارد البائع خلف عربته، فهو لا يحمي الناس، بل يمنحهم شعورًا مريرًا بأن بعض القوانين لا تبحث عن العدالة، وإنما تبحث فقط عن الطرف الذي يسهل الانتصار عليه. 

وهذا أخطر من الحادث نفسه، لأن الحادث يقتل إنسانًا، أما التفكير التشريعي القاصر فيمكن أن يقتل المنطق كله. والبرلمان الذي ينشغل بمطاردة عربات المشروبات أكثر من انشغاله بمحاسبة من يقودون بلا رخصة، لا يعالج الأزمة، وإنما يؤجل الكارثة القادمة.