فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

المزاج العام للمصريين في 30 يوم

بات المصريون ليلة الثلاثاء الماضية في حالة رضا رغم كل الأزمات والإحباطات المعيشية بسبب هدف إمام عاشور في بلجيكا، ليحصل المنتخب علي أول نقطة في مشوار كأس العالم، ورغم أن كل ترند يشغل بال المصريين لا يستغرق أكثر من ثلاثة أيام، إلا أن أحداث المونديال ستشغل مزاج المصريين لمدة شهر، حتي الانتهاء من هذا المولد الذي يشغل كل سكان المعمورة.. 

 

وحتي ترند المطربة والفنانة التشكيلية رغم إثارته التتمة لم يصمد طويلا أمام حضن حسام حسن لحكم المباراة، وحاول بعض الترنديين اختراع حدث كمستشفي الشاطبي واعترافات الطبيبة بما يجري في قسم النساء، ولكنهم فشلوا في الاستمرار، رغم أن القصة تحمل كل عناصر نجاح الترند، ولكنه مزاج المصريين الذي لا يخضع لأي مقاييس، حتي لو كان هناك اتفاق أمريكي إيراني لإنهاء الحرب.

 
لذلك فإن الاعتماد على التريندات كمؤشر وحيد أو رئيسى لقياس المزاج العام المصرى اختزال مخل بالواقع الاجتماعى والسياسى للمجتمع، فعلى سبيل المثال، نجد أن بعض القضايا التافهة أو الفن الهابط يتصدر المشهد الرقمى لساعات أو أيام، في حين تغيب قضايا جوهرية تمس الأمن القومى أو التنمية الاقتصادية، ما يؤدى إلى استنتاجات مغلوطة حول اهتمامات المواطن المصري.. 

 

وكأن المجتمع بات مسطحًا لا يهتم إلا بالمحتوى الترفيهى أو الشائعات، وتتعاظم الخطورة حين يتم اعتماد هذا الرأي الرقمي (أو المزاج الافتراضي) كمرآة تعكس المزاج الشعبى الحقيقي، وقد وقعت بعض الجهات الإعلامية الدولية، وحتى مؤسسات بحثية، فى هذا الفخ التحليلي، لتخرج بتقارير تدعي تراجع الانتماء الوطني أو تزايد الغضب الشعبي، بناءً على تريندات تم توجيهها أو تضخيمها خارجيًا.. 

ولكن هذا لا يعني أن الأوضاع مثالية، لأن ما يحدث في الشارع المصري مؤلم جدا ، فوضي عارمة، سباق بين ميكروباص مجهول وتوك توك قذر، وموتوسيكل صيني للكبار والصغار، وباعة جائلين وعصابات التسول والسايس المبرشم في كل مكان، واختفاء الشرطة والبلدية.


قبل السوشيال ميديا كنّا نأكل بارتياح، ونشرب بمزاج ونتنفس باطمئنان، ونتحدث باستمتاع، ونسهر بشغف، ونتسامر بفضول، وننام باسترخاء شديد، دون أرق من أى نوع، ونستقبل الصباح كأنه عيد، لم نكن أغنياء لكن كنّا سعداء حتى جاء علينا حين من الدهر صرنا أسرى للترند، وأصبح الترند ملكا لمجموعة معينة وفئة قليلة من الناس، تمتلك عددا كبيرا من المتابعين لهم، هؤلاء هم الذين يتحكمون فى المزاج العام لرواد المواقع.. 

 

وللأسف الناس تصدق من يعرف يحكي الحكاية وليس من يقول الحقيقة، أي إنهم يصدقون الحكاء أكثر من الصادق، وتدرس مؤسسات الدول المختلفة المؤثرات على الجماهير، خاصة من جانب الناشطين الذين يوكل إليهم تحريك الجماهير مقابل المال بعد نجاحهم، واستخدموا أحدث علوم الاجتماع والإعلام وعلم النفس والاتصالات، وذلك لخلق مناخات من عدم الثقة بين الشارع والسلطة فتصاب المناعة الفكرية والوطنية بمرض نقص المناعة.


لا يكاد يمر يوم إلا وهناك حدث يشغل الرأي العام الذى يتابع القضايا المثارة (التافهة)، وهناك تعميم مقصود لنماذج النجاح المادي الكبير لأشخاص لم يحظوا بفرصة تعليم كافية مثل (محمد رمضان، حمو بيكا، ومشاهير اليوتيوب).. هذه نماذج استثنائية لكن الأصل والقاعدة التى كانت ومازالت وستظل هى أن التعليم الجيد والتفوق الأكاديمى والجد والاجتهاد والمثابرة هى التى تصنع الشخص الناجح.


وهناك حديث ليس بريئا عن الديون، ومن المعروف في لغة الاقتصاد المجردة من الأهواء الشخصية والخالية من المآرب السياسية أن اقتصاد الدول لا يقاس بحجم الديون وإنما يقاس بحجم الموارد، والدخول.. ولذلك لا تعبر الديون بصفة عامة عن مدى قوة أو ضعف الوضع الاقتصادى دون معرفة حجم إيراداتها وإجمالى دخولها، ومدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وفوق هذا كله وقبله وبعده ضرورة معرفة مدى استتباب وضعها الأمنى، ومدى تماسكها الداخلى ومدى استقرارها السياسي.

 

إذن الديون لا تصلح معيارا لتقييم اقتصاد الدول، كما يروج البعض ويقال: «إذا كنتَ لا تدفع مقابل منتجِ ما، فذلك على الأرجح لأنك أنت هو المنتج». هذه الجملة أصبحت مهمة لفهم طبيعة العلاقات الاقتصادية التى ولّدتها وسائط الإعلام الجديد ،حيث تقوم هذه المواقع والتطبيقات «ببيعنا» إلى المعلنين. 

 

فيسبوك وإنستجرام على سبيل المثال، هما ببساطة منصّتان إعلانيتان تنتزعان الأموال من انتباه المستخدمين ووقتهم. ويمثّل التريند، فى هذا السياق، وقود الانتباه. وهو العجلة التى تبقيك شاخصًا لأطول وقت ممكن إلى الصفحة الرئيسية ومنجذبًا إليها. 

 

وهذا ما يفسّر على الأرجح ظهور إعلانات لمنتجات فكّرنا فقط فى شرائها حتى قبل البحث عنها على الإنترنت. هذا الواقع يؤكد أننا نعيش فى نظام استغلال، نحن الضحية فيه. لذا فنحن دوما فى موقع المفعول به لا الفاعل، والمتلقى لا المانح. 

 

والأمر هكذا ليس من مصلحة أحد خلق حالة من الاستياء العام، تستاء من كل شىء، وتشك فى كل شىء، وتشكك فى كل شىء، وتشكو من كل شىء، وتسخط على كل شىء، وتفقد الثقة فى كل شىء وذلك بالضبط هو اللعب فى المزاج العام، وهو من الحروب غير الشريفة الخطيرة لأننا نحارب أعداء مجهولين ولكنهم منظمون وهم كالأشباح.


المصريون، علي وجه العموم، أفضل بكثير، من الصورة التي يتبادلون رسمها بعضهم لبعض، والنظام ليس بالسوء الذي يتصوره معارضوه، والمعارضون ليسوا بالسوء الذي يتصوره النظام. طبعًا فيه ناس بالغة السوء في كل الأماكن، لكن يظل التيار العام للمصريين أو الـ Main Stream بخير، مهما تكن توجهاتهم وأفكارهم ومواقفهم.

ولكن ما يتم تعميمه بصور المزاج العام متطرفا والنفسية محتقنة احتقان طارئ وبيننا وبين التعافي ونقطة التوازن مسافة طويلة، الاستقطاب الحاد يبدو ضرورة من ضرورات الصراع السياسي الممتد منذ ما قبل 25 يناير حتي اليوم.. 

باختصار شديد: التشويه المتبادل، عن قصد أو عن غير قصد، تكنيك يلجأ إليه الجميع، وذلك بسبب غيبة آليات للحوار، والمصارحة، وطرح القضايا الخلافية علي الملأ، دون تستر، ولا مواربة.