فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ليس هذا الطريق

في صباح بدا عاديًا جدًا، كنت جالسًا في المقهى الصغير المقابل للمستشفى، أحدق في شاشة هاتفي المطفأة منذ دقائق طويلة. لم أكن أنتظر رسالة عادية، بل نتيجة مقابلة عمل أجريتها قبل أسبوعين. أمام فنجان القهوة الذي برد منذ زمن، كنت أعيد المشهد كله في رأسي للمرة المئة. هل أجبت عن الأسئلة جيدًا؟ هل كان ينبغي أن أقول شيئًا مختلفًا؟ هل أعجبتهم خبراتي فعلًا أم كانوا يجاملونني؟

 

كلما حاولت طرد هذه الأسئلة، عادت إليّ بأشكال جديدة. رن هاتف أحد الجالسين بجواري، فقفز قلبي قبل أن أكتشف أنه ليس هاتفي. ضحكت من نفسي قليلًا، ثم عدت إلى الانتظار. مرت نصف ساعة أخرى. فتحت البريد الإلكتروني.. لا شيء. ثم أغلقته.

 

ثم فتحته من جديد بعد دقيقة واحدة، وكأن رسالة التوظيف تنتظر اللحظة التي أغلق فيها الشاشة لتصل. نظرت حولي لأشغل نفسي. كان هناك شاب يجلس إلى طاولة قريبة يحمل باقة ورد كبيرة. بدا متوترًا أكثر مني. ينهض ويجلس وينظر إلى باب المستشفى كل دقيقة.

 

بعد قليل خرجت ممرضة واتجهت نحوه مبتسمة. وقف بسرعة وكأنه كان يحبس أنفاسه طوال الوقت. سمعتها تقول: "مبروك.. جالك بنت." لم أعرف الرجل، لكنه بكى من الفرح.. جلس الجميع يبتسمون له. أما أنا فظللت أنظر إليه في صمت.

 

فجأة شعرت بشيء غريب. كنت أتعامل مع انتظاري كأنه أهم حدث في العالم، بينما حولي آلاف القصص الأخرى. شخص ينتظر مولودًا، وآخر ينتظر شفاء مريض، وثالث ينتظر خبرًا يغير حياته. كلنا نجلس في قاعة انتظار كبيرة اسمها الحياة.

 

في تلك اللحظة اهتز هاتفي. نظرت بسرعة. كانت رسالة من شركة التوظيف. تسارعت دقات قلبي وأنا أفتحها. لكن الرسالة لم تكن قبولًا. كانت اعتذارًا مهذبًا وإبلاغًا بأنهم اختاروا مرشحًا آخر. ظللت أحدق في الشاشة عدة ثوانٍ. كنت أتوقع أن أشعر بالانكسار. لكنني لم أشعر إلا بهدوء غريب.

أغلقت الهاتف ونظرت إلى الرجل الذي ما زال يحتضن باقة الورد بسعادة لا توصف. ابتسمت. أدركت أن الحياة لم تقل لي "لا"، بل قالت "ليس هذا الطريق". دفعت ثمن القهوة وغادرت المقهى. ولأول مرة منذ أسبوعين، لم أكن أنتظر رسالة جديدة. كنت فقط أمشي.. مستعدًا للخطوة التالية.