القص في أعجوبة "الموتى لا يستقبلون الصباح"
على الرغم من القوالب الجاهزة في النقد الأدبي المعاصر في لغته للتفريق بين جنس القص وجنس السرد لإنتاج الأنواع القصصية أو الروائية إلا أن القص الأدبي في مجموعة "الموتى لا يستقبلون الصباح" للكاتبة المصرية أميمة عز الدين تضرب ذلك التفريق التنظيري بين فن القص والسرد لتضع أمام النقد المعاصر تحفة فنية مميزة لحد ما..
سوف تحسب للكاتبة كإنصاف فني وأدبي مسجل باسم القص المصري الراهن، لما في تلك المجموعة من روح مصرية خالصة معجونة في الهم اليومي للأديم البشري المكون للشخصية المصرية في وضعها الراهن من حداثة وتطور ليس في الواقع الاجتماعي فحسب، بل في المتخيل النفسي والروحي ذي بصيرة ترى ما لا يراه الأحياء.
التغلغل في قص بصيرة الأموات "الموتى لا يستقبلون الصباح" أمر معقد، وله جذور في النفس المصرية خاصة المتجسدة في روح المرأة (طفلة- مراهقة- إمرأة- عانس- زوجة- مطلقة- أرملة- أم- جنس ثالث) يقابلها روح الرجل (الفنان- الزوج المغلوب على أمره- الزوج المستبد- الذكر في أتعس حالاته البهيمية).
وبين المرأة والرجل راوغ (القاص- القاصة) باحثا عن المرأة الحكيمة والرجل الحكيم. وقد بدا تحيز القص واضحا للقاصة الأنثوية على حساب القاص الذكوري، وهذا يدل على روح "الست المصرية" بتراثها العريق في عملية التبصر والحكمة في لمّ أشلاء الرجل لما تتجلى عملية التناص في اللاوعي بإعادة إنتاح أسطورة إيزيس في زيها المعاصر..
الأنثى الحكيمة التي لا تحمل نبوءة وبلا دعم من الآلهة ولا حرس يساعدونها إنما هي إيزيس المعاصرة إمرأة أنهكها تراكم الحكمة، التي تولدت من الغياب والمرض والهجر وموت الأحباب واحد تلو الآخر. لذلك غلب صوت القاصة في 12 قصة في المجموعة القصصية على حساب قصتين أو ثلاث للقاص الذكري.
وعلى الرغم من ذلك افتتح القاص الذكري المجموعة واختتمها بنفس نبرة البحث عن الأنثى المثال، حيث بدأ القص في "لا أحد بالجوار"، وانتهى القص بـ"رائحة عديلة" وفي كلتيهما يبحث الذكر عن الأمان الأنثوى أو بمعنى أدق الرحم الأنثوى عوضا عن القبر الأرضي.
تطول رحلة البحث حول هذا المفهوم الهروبي من الموت والتحصن بالرحم الأنثوي المثال ومعادله بالخصوبة الرجولية في صورتها الأولى التي فيها تعلم الأسماء كلها، أي البحث عن آدم المشتهى والمفقود من جنة حواء التي تشكلت على أكثر من هيئة داخل متن القصص، فحواء الموتى لا يستقبلون الصباح أو بمعنى آخر الموتى لا يستقبلون حواء!
إشكالية آدم المفقود وحواء المثال تدور حولها فلسفة أميمة عز الدين في مجموعتها المقسمة إلى 15 قصة قصيرة، لكنها طويلة بمحتواها الزمني والمكاني وشخصياتها، فثمة تلاعب بين المكان والزمن لرصد تبدل أحوال الشخصية ما بين آدم وحواء في ثوبهما المصري الخاص بهمومه وواقعه المهزوم ليتماس بإنسانيته إلى الهم الإنساني العام المتجاوز حدود الزمن والمكان.
وجاء التعبير بلغة قص سامية تعزف على عتبات الحس القابع بين عتبة باب الحياة والموت للحد الذي يمكن القارئ من النظر بوضوح عبر مفردات لغوية جسدت ظلامية الحياة أو خط نور الموت من تلك العتبة.
تتمظهر ملامح الموت وموتاه على سبيل المثال في قصة المجموعة الرئيسة "الموتى لا يستقبلون الصباح" المعبأة بقص مغرق في أقاصيص الموتى وأخبارهم التي لا تُرى، ولا يشعر بها إلا من ماتت أبدانهم قبل أرواحهم..
والقاصة (حواء) هنا مات بدنها قبل روحها كما انفصل بدنها من الجنة وهبطت روحها على أرض الموتى، فراحت تغوص في أهازيج الموتى التي تستقبل الصباح، على الرغم من أنف عنونة القصة بالموتى لا يستقبلون الصباح!
مرة أخرى تقرأ السيدة المصرية في "كتاب جدتي"، المتشابكة مع القاصة التي تضعنا أمام كتاب الموت والحياة وبينهم رسائل مشفرة بسطور مفخخة لا يفكها إلا من شارف بالفعل عتبات الموت حيث لا ذنب لنا، ولم يكن لنا إرادة في اختيارنا لحياة أو موت، فقط نحمل كما تقول القاصة (لأنني أحمل.. وأوزارا لا تخصني)، ليمضي القص نحو محاولة قد تفشل أو تنجح في استخلاص الإنسان من عذابات المرض والآلام الحياة، لينجو نحو صباح الموت.
صباح الموتى يتجلى في"عجوز طيبة" فيضع الإنسان المعاصر أمام فعل العجز والكبر وأيهما الأطيب، هل المرأة العجوز أم فعل الحياة ذاته؟ سؤال يضعنا أمامه القص على الرغم من اقتراب الموت وشيوع رائحته في الأفق حول المرأة العجوز متجسدا بشكل آخر في وحدة المرأة التي سافر زوجها بعيدا.
قص يفضي إلى حسرة كبيرة، وعلامة استفهام أكبر حول عقوق الذكر( آدم) بالأم أو بالزوجة. عقوق الابن بأمه العجوز، وعقوق الزوج بسفره بعيدا عن زوجته. لكن القص يفتح بابا للأمل في وجود الطفل، فهل سيكون هذا الطفل رجلا رحيما بالمرأة أيان موقفها منه، أم سيكون ذكرا أنانيا مثل ابن المرأة العجوز ومثل أبيه؟
يبحر القص في بحر الموت بقارب فلسفي إبداعي مقدما رؤية تعد هي المحتوى والحكاية ذاتها والتي تدور حولها وتعبر عنها الشخصيات وأحداث التوقيت بزمنه وملامح مكانه العميق في تاريخ المصرية، فالموت هنا تعدى مفهومه العام ليتوغل في المفاهيم الخاص بالنكهة المصرية التى تدور في فلك الموت من عقوق الطلاق في"موت افتراضي" أو عقوق الخلع في"رائحة عديلة" أو عقوق الابن في"عجوز طيبة" أو حتى عقوق الجينات في"هوية جدتي" ومأساة فاتن.
وما يماثله من عقوق آخر مثل عقوق الأب أو عقوق الزوج أو عقوق الزوجة أو عقوق الحياة نفسها للناس الطيبين. كل هذا جاء كما لوحة الرخام الباردة فوق قبر مهمل تحمل نعى لإنسان ما تصفه بالاسم والعمر المدون بيوم الميلاد ويوم الممات وبعض العبارات التي تفضح هويته.
لذلك ركزت فلسفة الموتى عند أميمة عز الدين على المادة الخام للموت الفاضح الكاشف كنهج قصصي يحسب لها، كما في "السارقون لا ينامون أبدا" فحرارة القص هنا ناتجة عن صراع البشر وتمسكهم بالأم ووقوفهم ضد لصوص الأرواح.
لكن كطبيعة الحياة يعجز الأبناء عن حماية روح الأم من لصوص الأرواح، ليقف الإنسان أمام هذه السرقة لا حول له ولا قوة فهي بأمر الله ولسان الحال يقول لأول مرة نرى (فعل سرقة بأمر الله!) فلا حيلة لنا أمام السرقة، فلا هناك قانون بقطع يد السارق إنما ما علينا إلا القبول بتقبيل اليد حمدا وشكرا كتعبير رمزي على الخنوع والإيمان بالموت الذي سرق أمهاتنا.
وهي نفس الفلسفة في "لم تشرق الشمس بعد" التي يتماس فيها موت الحلم والواقع قبل أن يشرق به المستقبل بكل ما تطمع إليه النفس البشرية من أشياء قد تحقق له السعادة، لكنها سعادة منقوصة مريضة ليموت حلمها مبكرا بموت الطفل عمر.
أما في "رائحة عديلة" فالقص يرصد حالة موت أخرى غير ذلك الموت المعروف والطبيعي في حالة الأموات. موت لا يعرفه ولا يتذوقه إلا المخلصون الطيبون الأبرياء أتقياء الأرواح الذين توجعهم الكلمة ويؤلمهم فراق العشرة وتنكر الخليل بالخلع!
نجحت الكاتبة في مشروعها القصصي الباحث عن أشكال الأحوال والمقامات سواء بالقرب أو بالبعد عن دائرة الموت، نجاح موفق في فلسفته وطرحه، وقد أصابه بعض العلل في ترتيب القصص ترتيبا يقوى الفكرة الأدبية لرؤيتها، مع ترهل بعض الثرثرة الحوارية والوصفية التي خرجت من وقار الموت وهيبة فلسفته ولوحته الأدبية والفنية إلى شعبية العامة في الإغراق بالتفاصيل التي لا تسمن القص. لكن يبقى لغز البحث عن الموت الرحيم بالإنسانية هو الشاغل الأكبر في هذا المشروع القصصي المهم.