فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

صوم يونان.. دعوة للقلب

صوم يونان لا يُفهم كحكاية إنذار بقدر ما يُفهم كقصة دعوة للرجوع، لأن الله حين يسمح برسالة تُهزّ القلب لا يكون هدفه الإسقاط، بل الإحياء. لهذا يعلن الكتاب بوضوح أن قلب الله ليس قلب مُهلِك بل مُخلِّص؛ فهو يقول: «إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجِعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا» (حزقيال 33: 11).. 

ويؤكد أيضًا: «وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ» (2 بطرس 3: 9). من هنا نؤمن أن صوم يونان هو فرصة للشفاء قبل أن يكون تأديبًا، ونافذة رجاء قبل أن يكون تحذيرًا، لأن الله لا يسرّ بهلاك الإنسان بل برجوعه وحياته.

 

واللافت أن الله لم يكتفِ أن يوقظ نينوى برسالةٍ من الخارج، بل سبق وأن أيقظ يونان نفسه من الداخل. فقد مرّ يونان بخبرة ضيقٍ قاسية، لكن الضيق في يد الله لم يتحول إلى سوط غضب بل إلى جرس محبة. 

لذلك يصرخ يونان: «دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ فَاسْتَجَابَنِي» (يونان 2: 2). وهكذا نفهم أن الله قد يسمح أحيانًا أن نهتز من الداخل أو نواجه “ضيقًا” لكي نستيقظ، لأن الضيق قد يكون جرس محبة لا سوط غضب؛ يوقظ القلب ليرجع قبل أن يتبلّد، ويعيد الإنسان إلى حضن الله قبل أن يتمادى في طرقه.

 

وعندما وصلت رسالة يونان إلى نينوى، لم تكن مجرد كلمات تُقال، بل نداء إلهي يُعطى معه زمن للعودة، حتى لو بدا في ظاهره إنذارًا: «بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى» (يونان 3: 4). لكن استجابة المدينة كشفت أن الله أراد رجوعًا لا هلاكًا، لأن الكتاب يشهد: «فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ» (يونان 3: 5). 

لم تكن توبتهم مجرد انفعال مؤقت أو خوف عابر، بل صارت موقفًا داخليًا جديدًا، ورغبة حقيقية في أن تتغير الطريق لا أن يتغير المزاج.

ثم يوضح سفر يونان أن التوبة الصادقة لا تقف عند كلمات الاعتذار، بل تتحول إلى قرار عملي يَظهر في السلوك. لذلك جاء النداء داخل المدينة واضحًا: «وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ» (يونان 3: 8). 

وهنا يتأكد المعنى: توبة نينوى لم تكن كلامًا، بل قرارًا بمراجعة النفس وترك الشر وردّ المظالم والاتضاع بالصوم والصلاة. فالتوبة التي تغيّر المصير هي التي تغيّر الاتجاه، ولهذا يعلن الكتاب المبدأ نفسه في موضع آخر: «مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ» (أمثال 28: 13).

 

ومع هذا القرار العملي، يلفت الكتاب نظرنا إلى نقطة حاسمة: الله ينظر إلى التحول الحقيقي لا إلى المظاهر. لذلك يقول: «فَلَمَّا رَأَى اللهُ أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ، نَدِمَ اللهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ فَلَمْ يَصْنَعْهُ» (يونان 3: 10). 

لم يقل “فلما سمع صراخهم” أو “فلما رأى شكل صومهم”، بل “فلما رأى أعمالهم”. أي ثمر الرجوع. وهكذا تتضح رحمة الله: هو يفتح باب الرجوع لكي يحفظ الإنسان، ويحوّل مسار التأديب إلى مسار شفاء عندما يرى القلب قد انحنى في اتضاع.

ومن هنا نفهم أيضًا أن الصوم الحقيقي ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل امتناع عن الخطية، وعن القسوة، وعن الإدانة، وعن كل ما يطفئ الروح. فالكتاب يفضح صومًا بلا تغيير قلب حين يقول: «هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ» (إشعياء 58: 4)، ثم يعلن الصوم الذي يختاره الرب: «أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ… وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ» (إشعياء 58: 6). 

أي أن الصوم الذي يرضي الله هو صوم يحرر القلب من الشر والظلم ويعيد الإنسان إلى طريق الرحمة والحق، فيصير الجسد صائمًا والقلب أيضًا صائمًا عن الخطية.

هكذا يضعنا سفر يونان أمام رجاء ثابت: الله قد يسمح بإنذار لكي يفتح باب رجوع، وقد يسمح بضيق لكي يوقظ القلب، لكنه في كل ذلك يعلن أنه لا يسرّ بهلاك الإنسان بل برجوعه وحياته. لذلك عندما نصوم بروح التوبة، لا نُمسك عن الطعام فقط، بل نُمسك عن الشر، ونرجع، ونحيا.