فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

افتكاسة هيكل!

لا تتوقف الاقتراحات إما بحسن نية أو بقصد عن التصرف في قناة السويس، الشريان المائي الأهم عالميًا وأحد أعمدة السيادة المصرية، عن تأجيرها لعقود طويلة أو رهنها مقابل مليارات الدولارات لسد فجوة الديون المتفاقمة.. 

 

هذه المرة عاد الجدل أشد حدة مع مقترح صريح من رجل الأعمال حسن هيكل بنقل ملكية هيئة قناة السويس إلى البنك المركزي المصري مقابل تصفير الديون المحلية، في ظل دين عام يقترب من 377.8 مليار دولار.. 

 

يقوم المقترح على أن يتولى الجهاز المركزي للمحاسبات تقييم هيئة قناة السويس، مع ترجيح أن تصل قيمتها إلى نحو 200 مليار دولار، ثم تُنقل تبعيتها وملكيتها إلى البنك المركزي المصري.. وبموجب هذا التصور، يعتمد البنك المركزي على عوائد القناة السنوية المقدرة بنحو 10 مليارات دولار في سداد أقساط وفوائد الدين المحلي، بدل تحميلها للموازنة العامة ووزارة المالية، بما يعني عمليًا فصل عبء الديون عن الموازنة وتحويل القناة إلى أصل مالي مباشر في معادلة الدَّين. 

 

ويري هيكل إن المقايضة الكبرى هي الحل الجذرى والسبيل الوحيد لتحرير مئات المليارات سنويًا وتوجيهها مباشرة لتحسين الأجور وتطوير التعليم والصحة، لان الحلول التقليدية مثل بيع الأصول أو خفض الفائدة تدريجيًا لن تكون كافية لمواجهة حجم الأزمة -علي حد زعمه- لان كل الحلول الأخرى ستستغرق سنوات. 

 

علما بأن التركيز على انخفاض ديون أجهزة الموازنة العامة بينما يتزايد الدين خارجها أمر صحيح محاسبيًا، لكنه غير سليم اقتصاديًا وغير متطور، لان العبء الاقتصادي في النهاية يتحمله الاقتصاد ككل دون تقسيم.. الدين الداخلي أخطر بكتير من الدين الخارجي. لأنه يتراكم من غير دخل حقيقي، ويؤدي للاقتراض أكتر، فتزيد الفوائد والأقساط، لدرجة إن خدمة الدين الداخلي أصبحت تتجاوز دخل الدولة نفسه.. 

 

ويري الكثيرون إن إصرار حسن هيكل علي فكرته وطرحها للعلن مع الأخذ في الاعتبار أنه في اللجنة الاستشارية الاقتصادية لرئيس الوزراء غير عادي من هيكل، لتمهيد الرأي العام لتقبل تلك الافتكاسة الفاشلة والاقتراح قايم على فهم خاطئ للاقتصاد، السيولة والإصدار النقدي، لان نقل ملكية قناة السويس إلى البنك المركزي لا يمثل إصلاحًا هيكليًا حقيقيًا، بل يهدد استقلال  البنك المركزي، ويخلط بين وظيفته كمؤسسة نقدية ودور الدولة في إدارة أصولها الاستراتيجية.

 

وهذا المقترح غير قابل للتطبيق عمليًا أو نظريًا في حالة مصر، حتي لا يتم إدخال أصل جيوسياسي كهذا في ميزانية البنك المركزي، بما يخلق تعقيدات مالية وسياسية تتجاوز أي فائدة محاسبية مزعومة.

 

وعلى مستوى أعمق، يحذر عدد من الخبراء من أن التعامل مع قناة السويس كأصل قابل للمقايضة في معادلة الدَّين يعيد مصر إلى منطق القرن التاسع عشر، حين تحولت الديون إلى بوابة للتدخل الأجنبي ثم الاحتلال. بما يمثل تهريج اقتصادي حيث يرفع المسؤولية عن الحكومة، وطبعا هناك مخاوف من أن ما يحدث -أمر مدبر ومخطط- لإبقاء مصر غارقة في فخ الاستدانة.

ويعود بالذاكرة عن الدَّين في عصر الخديوي عباس وسعيد وكانت النتيجة تآكل استقلال القرار المصري تحت ضغط الدائنين، وعلميا فأن إدخال قناة السويس في معادلة الديون يمثل قياسًا فاسدًا ينقل النقاش من إدارة الدَّين إلى تصفية الدولة.

لان قناة السويس مصلحة عامة عليا غير قابلة للمقايضة، ومورد استراتيجي نادر غير قابل للاستنساخ، وأصل جيوسياسي قبل أن يكون اقتصاديًا، وأن تجارب الدول التي واجهت أزمات ديون حادة أثبتت أن الطريق الآمن هو إصلاح الهياكل المالية والضريبية، وليس المساس بالأصول السيادية.. ولذا فإن أي طرح يربط مصير قناة السويس بميزان الدائنين يعني عمليًا تجريد الدولة من إحدى أوراق قوتها الأساسية في الإقليم.