المدينة التي لا تنام
كانت المدينة تعيش على إيقاعين متناقضين؛ شوارع مزدحمة لا تهدأ ليلًا، وأزقة جانبية ساكنة يلفها صمت ثقيل. وكان الرجل يسكن في أحد تلك الأزقة الهادئة، يظن أن الهدوء هو الطريق الأقصر إلى السلام. اختار عزلته بعناية، أغلق نوافذه، قلّل اختلاطه بالناس، وهرب من الضجيج معتقدًا أن الصمت كفيل بأن يطمئن قلبه.
ومع ذلك، لم يعرف الراحة. كان الليل يمر طويلًا، وأفكاره تعلو في رأسه أعلى من أصوات المدينة البعيدة. في سكون غرفته، كانت مخاوفه تتضخم، وتعود ذكريات حاول نسيانها. أدرك متأخرًا أن الهدوء الذي احتمى به لم يكن سلامًا، بل فراغًا يضخم ما يحاول الهرب منه.
ذات مساء، اضطر للخروج إلى قلب المدينة لقضاء أمر طارئ. وجد نفسه وسط الزحام، السيارات تصدح بأبواقها، والناس يتدافعون، والأصوات تتشابك بلا توقف. شعر في البداية بانقباض شديد، وكأن الضجيج سيبتلع ما تبقى من طمأنينته الهشة.
توقف عند مسرح صغير بين المباني العالية. لم يكن المكان معزولًا عن الضوضاء؛ الأصوات كانت تتسلل إلى داخله، لكن شيئًا في قلبه دفعه للدخول. جلس في آخر الصفوف، وأغمض عينيه، لا هربًا هذه المرة، بل استسلامًا. لم يطلب أن تختفي مشاكله، ولم يسأل أن تهدأ المدينة، فقط سلّم خوفه إلى الله كما هو.
في تلك اللحظة، شعر بسكينة غريبة تتسلل إلى صدره. لم تتوقف الأصوات من حوله، ولم تتغير الظروف، لكن قلبه هدأ. فهم أن السلام لم يكن يومًا في غياب الضجيج، ولا في انتهاء الأزمات، بل في حضور الله داخل القلب، حضورًا يطفئ القلق دون أن يغير العالم.
خرج الرجل إلى الشارع نفسه، بالضجيج ذاته، لكنه لم يعد كما دخل. تعلم أن السلام الحقيقي لا يُقاس بدرجة الهدوء من حولنا، بل بثبات القلب حين تتلاطم الأصوات. وأن من يسلّم خوفه لله، يجد طمأنينة لا تفسير لها، لأنها ليست من هذا العالم، بل من عمق الثقة به.