فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

هواتف المصريين بالخارج وأشياء أخرى!

حين تتخذ الحكومات قرارات اقتصادية، لا يُقاس نجاحها فقط بما تضيفه إلى الخزانة العامة، بل بما تُحدِثه من أثرٍ متوازن بين الإيراد، وعدالة التوزيع، والرضا المجتمعي. فكل قرار اقتصادي هو بالضرورة قرار سياسي، لأن الناس لا تعيش في جداول محاسبية، بل في واقعٍ يومي تمسّه تلك القرارات مباشرة.


من هذا المنطلق، يبدو قرار إلغاء إعفاء هواتف المصريين القادمين من الخارج، بعد عام واحد فقط من تطبيقه، قرارًا متعجلًا، مرتبك الهدف، محدود العائد، واسع الضرر.


فإذا كان المعيار هو صافي الإيرادات، فلا توجد حتى الآن أرقام شفافة توضّح حجم الأجهزة التي دخلت البلاد مع المسافرين خلال العام الماضي، ولا مقدار ما شكّلته من فاقدٍ ضريبي حقيقي. فهل يستحق تحصيل بضعة ملايين -إن تحققت- أن يثير حفيظة وحنق المصريين بالخارج؟


أما إذا كان الهدف المعلن هو مكافحة التهريب، فالحقيقة أن القرار السابق قد نجح إلى حدٍّ بعيد في تجفيف هذه الظاهرة. وإذا ظهرت ثغرات في التطبيق، فهل يُعاقَب الجميع بجريرة قلة؟ وهل تُدار الدولة بمنطق العقاب الجماعي بدلًا من إحكام الرقابة على المنافذ وملاحقة شبكات التهريب الحقيقية؟


وإذا انتقلنا إلى شعار توطين الصناعة، فنحن أمام حقٍ يُراد به باطل. فما يُسمّى صناعة محلية للهواتف ليس سوى تجميع، يعتمد كليًا على مكونات مستوردة، ولا يحقق الحد الأدنى المتعارف عليه للتصنيع الحقيقي. بل إن الهواتف المُجمّعة محليًا لا تنافس من حيث الجودة أو الحداثة ما يحمله المصري من الخارج.


والنتيجة الفعلية أن القرار لا يحمي صناعة وطنية، بل يحمي شبكة تجارية مغلقة، ويُمهّد لممارسات احتكارية، في سوقٍ يعاني أصلًا من غياب المنافسة، وارتفاع الأسعار. المفارقة أن الهاتف القادم من الخارج -حتى بعد فرض رسوم تصل إلى 37.5%- يظل أرخص من نظيره المحلي الذي تُثقل كاهله ضريبة قيمة مضافة لا تقل عن 14%.


الأثر الوحيد المؤكد، إذن، هو تعكير المزاج العام، وبالذات لدى المصريين في الخارج، الذين يشكلون اليوم العمود الفقري للاقتصاد.


أربعة عشر مليون مغترب، حوّلوا نحو 37.5 مليار دولار في عام واحد، متجاوزين إيرادات قنوات حيوية كالسياحة وقناة السويس. هؤلاء الذين تصفهم الدولة رسميًا بـ منجم الذهب البشري، يُفاجَأون بقرار يُحاسبهم على هاتف يشترونه هدية لأمٍ أو ابن.


والسؤال البديهي الذي يفرض نفسه: لماذا يُعامل الهاتف المحمول باعتباره سلعة تجارية خاضعة للجباية، بينما تُستثنى أجهزة أغلى ثمنًا كالحواسيب المحمولة، والأجهزة اللوحية، والساعات الذكية، وسواها، باعتبارها استخدامًا شخصيًا؟


الإجابة غير المعلنة، لكنها الواضحة، أن الهاتف وحده يمكن التحكم فيه، وربطه بالشبكة، وتعطيله. أي أن المسألة ليست عدالة ضريبية، بل قدرة على الجباية. وهنا يتكشف الفارق الخطير بين حكومة تطبق القانون بعدالة، وحكومة تفرض الإتاوة على من تستطيع الوصول إليه.


تمامًا كما يحدث في ملف الضريبة العقارية، حيث يُفرَض العبء على مسكن خاص لم يحقق عائدًا، ولم يُشترَ بقصد الاستثمار، بل ارتفعت قيمته اسميًا بفعل التضخم وانخفاض العملة، فيُعامل المالك وكأنه حقق ثروة وهمية.


المحصلة النهائية واحدة: سياسات مالية قصيرة النفس، تبحث عن إيراد سريع، ولو على حساب الثقة، والاستقرار، ورضا المواطن.

مئات المليارات تُهدر بسبب سوء الإدارة، بينما الحل الأسهل للحكومة هو البحث في جيب المواطن -في الداخل والخارج- لتعويض شيء لا ذنب له فيه. آن الأوان لسياسات تُدار بالعقل والتخطيط، لا بمنطق “اللي نطوله”. آن الأوان لاحترام من حملوا البلد على أكتافهم، وأقصد المصريين بالخارج، بدلًا من طعنهم في الظهر. صاحب هذا القرار آن له أن يتقاعد!