شخصيات عرفتها عن قرب.. عبد القادر شهيب يكشف حقيقة اغتيال عمر سليمان وسر غضب حكومة مبارك منه وعليه.. وملابسات إبعاده من انتخابات الرئاسة.. والقصة الكاملة للتوريث ورجال أمريكا في مصر (الحلقة الثانية)
في الفصل الثالث من كتابه "شخصيات عرفتها عن قرب"، الصادر عن دار الهلال، والمُعنوَن بـ"عمر سليمان وحكايته"، يتحدث الكاتب الصحفي الكبير عبد القادر شهيب عن الرجل القوي والاسم البارز في نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك بإكبار شديد؛ مرجعًا ذلك لمواقف عديدة لجأ له فيها، فاكتشف فيه أنه "رجل دولة" من طراز فريد، وقد تعاظم هذا الدور أيضًا بعد أحداث 25 يناير؛ على خلفية تعيينه نائبًا للرئيس.
يقول “شهيب” عن الراحل عمر سليمان: “كان من طراز المسؤولين المحبين لوطنهم والحريصين على أمنه ومصالحه، ويقظًا في مواجهة المخططات التي تستهدف النيل منه أو إخضاعه وفرض الهيمنة الأمريكية عليه، وأيضًا في مواجهة الأطماع الداخلية في حكم البلاد التي كانت تتجسد في الإخوان، أو بعض من رأوا في تمكين جمال مبارك من السلطة سبيلهم لمشاركته فيها؛ لذلك تبنوا مشروع التوريث”.
كان عمر سليمان – بحكم موقعه في رئاسة جهاز المخابرات العامة- يمتلك معلومات غزيرة عما تخطط له واشنطن في هذا الوقت، وما تفعله المخابرات المركزية لتغيير الأنظمة السياسية في عدد من بلدان المنطقة؛ لتمكين الإخوان من الحكم فيها، كما يروي المؤلف، مضيفًا: و"أذكر اننى أهديتُه (عمر سليمان) كتابي "اغتيال الديمقراطية.. لعبة المخابرات المركزية"، وقال لي بعد أن أشاد بالكتاب: إن المخابرات الأمريكية تفعل الآن ماهو أخطر مما رصدتُه في كتابي لتغيير الأنظمة السياسية من الخارج، غير أنه في ذات الوقت كان يرى أن هناك داخل مصر -وتحديدا داخل حكومتها- مَن يساعد الإدارة الامريكية بأعماله ومواقفه والسياسات التي ينتهجها في تنفيذ مخططاتها لتغيير النظام المصري"!!
رجال أمريكا في مصر
يستطرد "شهيب" في شهادته المهمة على هذه الفترة الحرجة من تاريخ مصر: "وأذكر أن رجال المخابرات والقوات المسلحة احتفوا بمقال لى بـ"المصور"، اخترتُ عنوانا له: رجال أمريكا في مصر، وأذكر أيضًا أن عمر سليمان قال لى ونحن على متن طائرة متجهين إلى شرم الشيخ لحضور مؤتمر دافوس وجلست بجواره: إن مجموعة الوزراء التي كانت تدير اقتصادنا بانهم أولاد (... ) سوف يوقعون البلاد في داهية أو مصيبة"، معقبًا: "فهو لم يكن راضيًا عن التوجه الاقتصادي للبلاد، والذى كان لا يولي اهتماما كافيا أو مناسبًا لظاهرة تزايد معدلات الفقر وازدياد أعداد الفقراء في البلاد، ويرى أن ذلك يهدد الاستقرار السياسي".

التخلص من عمر سليمان!
يواصل "شهيب" كشف المفاجآت حول عمر سليمان، عندما نوَّه بشكل واضح وصريح إلى ما أسماه "التخلص من عمر سليمان، حيث يقول: "ولعل ذلك يفسر رغبة مَن عُرفوا بالحرس الجديد في التخلص من عمر سليمان، وهى الرغبة التي تمت محاولة تنفيذها مرتين، الأولى: قبل انتفاضة يناير، حينما نشرت في أماكن مختلفة بالقاهرة إعلانات تُزكيه لخلافة مبارك خلال إحدى رحلاته الخارجية للإيقاع بينهما، ولذلك أصدر عمر سليمان تعليمات لرجاله بنزع هذه الإعلانات فورًا، ومرت الواقعة بسلام ولم تعكر علاقته بمبارك، أما المرة الثانية فقد جرت بعد انتفاضة يناير وتعيين عمر سليمان نائبًا لرئيس الجمهورية، وكانت محاولة لتصفيته جسديًا بإطلاق النار على سيارته، وهو في طريقه من مبنى المخابرات إلى القصر الرئاسي بعد أن سلم الملفات المهمة للرئيس الجديد للمخابرات، وقد نجا لأنه لم يركب سيارته التابعة للرئاسة، كما كان مقررًا، وإنما ركب سيارة رئيس المخابرات التي اعتاد ركوبها سنوات طويلة، ولم يتم الكشف عن ملابسات الحادث حتى الآن أو المتهم بارتكابه رغم أنه أسفر عن وقوع ضحايا، وشغل الرأى العام وقتها"!
تنحي الرئيس
يستكمل "شهيب" سرديته التاريخية حول عمر سليمان: "لكن بعد تنحي مبارك عن الحكم، ابتعد عمر سليمان بدوره عن الحكم أيضا في الفترة الانتقالية؛ لأن مبارك سلم السلطة للجيش، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد، وقد رغب المشير محمد حسين طنطاوي في تنفيذ التكليف بدون مشاركة، لا من الفريق شفيق أو اللواء عمر سليمان، حينما قبل استقالة الأول من رئاسة الحكومة بعد أيام قليلة من تنحي مبارك، ولم يرحب بممارسة الثاني مهام نائب الرئيس منذ يوم التنحي، وتراجع بعد ساعات عن فكرة تشكيل لجنة رئاسية تضم الاثنين وشخصية مدنية، ثم عدم ترحيبه بمشاركة الاثنين في الانتخابات الرئاسية، لأن المشير طنطاوي كان يحبذ ترشح شخصية مدنية قريبة للجيش للرئاسة، وكان يرغب في أن تكون هذه الشخصية منصور حسن الذى رأس المجلس الاستشاري".
توريث جمال مبارك
ويؤكد "شهيب" أن “سليمان” كان "ينصت لي باهتمام، ويتحدث معى بانفتاح وصراحة ودون تحفظ، وهذا أتاح لى أن أعرف بعض مخاوفه على البلاد ومستقبلها السياسى في ظل عدم اليقين السياسى الذى كان يفرد جناحيه عليها، حيث كان الرئيس مبارك يتقدم في السن، وابنه (جمال) تراوده طموحات أن يخلفه، زرعها في داخله بعض الساسة الجدد الذين كانوا يتطلعون لدولة مدنية، ورجال الأعمال الذين راهنوا عليه لحماية مصالحهم، بينما كانت أمريكا قد رأت أنه حان الوقت في مصر لتغيير سياسي يتمكن بعده الإخوان من الإمساك بالحكم فيها هي وعدد من البلاد العربية، وعندما صار عمر سليمان نائبا للرئيس بعد انتفاضة يناير، سعى الرجل إلى علاج الأزمة السياسية باحتواء الإخوان الذين رفضوا التعاون معه؛ لأنهم كانوا يدركون أن فرصتهم قد جاءتهم ليحققوا حلمهم القديم للوصول إلى السلطة، ولابد وأن يتمسكوا بها ويستثمروها ولا يفلتوها من بين أيديهم، وقد حاول الرجل استمالة القوى المدنية للقبول بخطته للتغيير السياسى التدريجى الذى يتيح لمبارك البقاء في منصبه حتى نهاية فترته الرئاسية في سبتمبر، وتنبيهها إلى أنها باصطفافها مع الإخوان في خندق واحد من شأنه تراجع فرصة وجود حكم مدني في البلاد غير أن القوى المدنية النشطة كانت مخدوعة في الإخوان ولا تدرك نواياهم الحقيقية ولا تقدر خطورتهم ولا تتصور أنهم عندما يمسكون بالسلطة سوف يُقصون الجميع، وسوف يسعون إلى الهيمنة الكاملة على البلاد من خلال تنفيذ خطتهم المُعدة منذ سنوات مضت لأخونة البلاد.. ولذلك تلقت هذه القوى المدنية صدمة كبيرة عندما وصل الإخوان للحكم، وحدث الصدام مبكرا بينها والجماعة بعد شهور قليلة من تولي محمد مرسى مهام رئيس الجمهورية”.

ملابسات الوفاة
يؤكد "شهيب" أن جماعة الإخوان خشيت أن يخوض "سليمان" الانتخابات الرئاسية؛ باعتباره لاعبًا قويًا ويحمل حظوظًا أوفر من غيره، لا سيما من مرشح الإخوان، للفوز، حيث قال: " لذلك كان الاخوان يخشون دخوله السباق الانتخابى الرئاسى عام ٢٠١٢ الذى استجاب لمطالبات جماهيرية للمشاركة فيه؛ لانه كان منافسا قويا، وعندما استبعدته لجنة الانتخابات لعدم اكتمال التوكيلات الضرورية للمشاركة في الانتخابات قبل غلق باب التقدم للانتخابات، أبدى الاخوان ارتياحهم الشديد؛ لان ذلك أعفى مرشحهم من منافسة انتخابية قوية، وبعد وصول الأخوان إلى السلطة خشى عليه الفريق شفيق من تربص الاخوان به للانتقام منه فطالبه باللحاق به في ابوظبى، وهناك أصابه المرض، وسافر إلى امريكا للعلاج وتوفاه الله، وبعدها أثيرت اقاويل كثيرة حول ان وفاته لم تكن طبيعيه، بل ان هناك من شكك في وفاته أساسًا وروج أنه مازال على قيد الحياة وانه اختفى في إحدى الدول العربية، رغم أنه تم تشييع جثمانه في القاهرة وشاركت في جنازته التي تقدمها المشير طنطاوى والفريق سامي عنان وضمت الآلاف من المصريين، وقد سألت في حينه الفريق شفيق: هل وفاة اللواء عمر سليمان طبيعية؟ فأكد لي ذلك بالفعل بنسبة ٩٩٪ وقال إنه كان في حالة صحية صعبة عندما غادر أبوظبى إلى أمريكا.ولذلك هو يستبعد أية شبهة جنائية في الوفاة، وهذه إجابة ترد أيضًا على الذين شككوا في حدوث الوفاة أصلًا".
