فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

خطاب ترامب.. رسائل سياسية أم حلول حاسمة؟!

الخطاب الأمريكي الأخير المتعلق بسدّ النهضة لا ينبغي التعامل معه بوصفه رسالة ود أو محاولة لاحتواء التوتر، ولا يصح في المقابل قراءته باعتباره خصومة صريحة. هو خطاب محسوب بدقة، ينتمي إلى مدرسة إدارة الأزمات لا حلّها، ويهدف في جوهره إلى إعادة ضبط المشهد لصالح نفوذ أمريكا في المنطقة، لا تغيير نتائجه.


هذا الخطاب لا ينحاز علنًا، ولا يضغط فعليًا، ولا يقدّم التزامات قابلة للبناء عليها، بل يعيد تعريف القضية نفسها. حين تُختزل أزمة تمس شريان حياة لدولة كاملة في توصيفات عامة فضفاضة، ويتم استبعاد المفردات القانونية الحاكمة، ويُغيب الحديث عن الضرر الجسيم أو القواعد الملزمة، فإن الرسالة تصبح واضحة: المطلوب هو إبقاء الملف في دائرة السيطرة الدولية، لا دفعه نحو الحسم.


اللغة الهادئة التي صيغ بها الخطاب ليست دليل طمأنة، بل أداة تجريد. فهي تسحب من الأزمة طبيعتها الاستثنائية، وتعيد إدخالها إلى خانة الخلاف القابل للإدارة، بما يعني عمليًا إغلاق الباب أمام أي مسار حاسم، وفتح المجال لمسار طويل من التفاوض المفتوح بلا سقف زمني ولا ضمانات تنفيذ. 

وفي هذا السياق، يأتي التحذير غير المباشر من أي تصعيد بوصفه خطًا فاصلًا، لا بين الحرب والسلام، بل بين المقبول دوليًا والمرفوض سياسيًا.

توقيت الخطاب ليس تفصيلًا عابرًا. فالمتغير الحقيقي لم يكن في مسار السد، بل في الحركة الإقليمية المصرية، التي أظهرت خلال الفترة الأخيرة قدرة على التأثير وتعديل التوازنات بأدوات غير صدامية، وداخل أطر قانونية وشرعية، وبمنطق استباقي لا ردّ فعل. هذا النوع من الفعل الهادئ يربك معادلات النفوذ التقليدية، ويدفع القوى الكبرى إلى السعي لضبط إيقاعه قبل أن يتحول إلى نمط مستقر يصعب احتواؤه.


في الرؤية الأمريكية الأوسع، لا يُنظر إلى السد باعتباره ملف مياه معزولًا، بل باعتباره عقدة داخل شبكة مصالح تشمل أمن الممرات البحرية، واستقرار القرن الإفريقي، وتوازنات الطاقة، وإدارة التنافس الدولي في منطقة شديدة الحساسية. ومن هذا المنطلق، يصبح الحفاظ على الاستقرار المُدار أولوية، حتى وإن كان ذلك على حساب العدالة الكاملة في تسوية النزاعات.


إدخال أطراف إقليمية وازنة إلى المشهد، دون تسميتها صراحة، يعكس رغبة في نقل الملف من منطق الحقوق القانونية إلى منطق الترتيبات المتشابكة، حيث تختلط السياسة بالاقتصاد، والاستثمار بالأمن، والتسوية بالمقايضة. وجود هذه الأطراف لا يُراد به بالضرورة دعم طرف على حساب آخر، بل توسيع دائرة المسؤولية بحيث يصبح أي تحرك حاد عبئًا جماعيًا لا قرارًا سياديًا منفردًا.


أمام هذا المشهد، لا يبدو أن الرهان الواقعي يكمن في انتظار تحول جذري في الموقف الدولي، ولا في القفز إلى خيارات صفرية، بل في إدارة الصراع بوعي طويل النفس، يحافظ على جوهر القضية حيًا، ويمنع إغلاقها نهائيًا تحت لافتة الأمر الواقع.


الحل العملي لصانع القرار يبدأ بعدم القبول الضمني بإعادة تعريف الأزمة. فالإبقاء على اللغة القانونية، وتوثيق الضرر المحتمل، وتكريس الطابع الوجودي للقضية في كل المحافل، يظل خط الدفاع الأول ضد محاولات التفريغ السياسي. 

بالتوازي، ينبغي توسيع أدوات التأثير الإقليمي الهادئ، وبناء شبكات مصالح متبادلة في العمق الإفريقي، بما يعزز من حضور الدولة كلاعب استقرار لا كمصدر تهديد.


كما أن الفصل بين المسارات ضرورة استراتيجية؛ فالتفاوض لا يعني التنازل عن الضغط، والتهدئة لا تعني تعطيل أوراق القوة غير العسكرية. الاستثمار في العلاقات الاقتصادية، والبنية التحتية، والتعاون الأمني، يمكن أن يشكل رافعة تأثير طويلة الأمد، شرط ألا يتحول إلى بديل عن الحق، بل سندًا له.


في المحصلة، ما يُراد تثبيته دوليًا هو وضع لا غالب فيه ولا مغلوب، لكنه يحمل كلفة غير متوازنة. والتحدي الحقيقي أمام صانع القرار هو ألا يسمح بتحويل إدارة الأزمة إلى نهاية لها، وألا يُغلق ملف السد بوصفه قضية فنية أو تفاوضية، بل أن يبقى مفتوحًا كملف سيادي حي، تُدار خطواته بهدوء، دون اندفاع، ودون قبول بسقوف تُفرض من الخارج.

ففي عالم تتراجع فيه لغة العدالة لصالح لغة المصالح، لا يبقى للدول إلا أن تكون يقظة، صبورة، ومدركة أن أخطر الخسائر لا تأتي دائمًا من الهزيمة الصريحة، بل من التسويات التي تُغلق الملفات قبل أن تُنصف أصحابها.
بالتأكيد إن أجهزتنا ودبلوماسيتنا درست وحللت جيدا فحوي خطاب ترامب وتعرف مصلحة مصر وكلنا ثقة فيها.