فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ثورات الربيع العربي تكشف مشكلات الاقتصاد الريعي في المنطقة.. الاعتماد على النفط ومشروعات الكسب السريع سبب هشاشة دول المنطقة.. والصناعة والزراعة الركيزة الأساسية لبناء الأوطان

 ثورات الربيع العربي
ثورات الربيع العربي

بين صخب الميادين وضجيج السلاح، طغت السياسة دائما على المشهد العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، لكن خلف كل صرخة تغيير، واقتصاد يترنح بين مطرقة الأنظمة المركزية وسندان الفوضى اللاحقة، ولم تكن عمليات سقوط الأنظمة في  العراق، ليبيا، السودان، اليمن، وتونس مجرد تحولات في هرم السلطة، بل كانت زلازل ضربت بنية الدولة الريعية في مقتل.

على مدار العقود الماضية، شكلت الدولة الريعية النموذج المهيمن على اقتصادات العديد من البلدان العربية، حيث ارتبطت مواردها الوطنية وخططها التنموية بمصدر أحادي للدخل، غالبا ما يكون النفط، هذا النموذج، رغم توفيره لوفرة مالية في أوقات الازدهار، أنتج اقتصادات هشة ومعتمدة، عاجزة عن خلق فرص عمل مستدامة أو بناء قاعدة إنتاجية متنوعة.

ومع موجات التغيير السياسي الكبرى التي شهدتها المنطقة، من الغزو والإطاحة في العراق 2003، إلى ثورات "الربيع العربي" 2011 وما تلاها، واجهت هذه الاقتصادات اختبارا وجوديا، حيث تروي قصة معقدة عن انتعاش هش، وانهيارات كارثية، وتحديات بنيوية ضخمة، تاركة ملايين المواطنين في دوامة من انخفاض الدخل وتراجع الخدمات.

العراق من الحصار إلى الانفجار المالي

والبداية من الاقتصاد العراقي قبل وبعد سقوط   صدام حسين، ومروره برحلة التحول من الريع النفطي إلى تحديات الاستقرار، حيث ارتبط الاقتصاد العراقي، ومسار التنمية الاقتصادية ارتباطا وثيقا بثروته النفطية، لكن السياسات الحكومية، والحروب المتعاقبة، والحصار الدولي أثرت بشكل كبير على الأداء الاقتصادي قبل وبعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين في عام 2003.

قبل التسعينيات، كان الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على قطاع النفط، الذي شكل أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 95% من عائدات العملة الصعبة، بينما بقي القطاعان الزراعي والصناعي صغيرين نسبيا في هيكليتهما الإنتاجية.

وفي نهاية السبعينات، بلغت عائدات النفط نحو 21–27 مليار دولار سنويا، ووصلت الاحتياطيات النقدية الأجنبية للعراق إلى حوالي 35 مليار دولار قبل الحرب مع إيران.

وبحلول نهاية حكم صدام، قبل الغزو الأمريكي، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي بشكل حاد بسبب الحروب والعقوبات، حيث انخفض الناتج المحلي للفرد من مستويات مرتفعة في الثمانينات إلى حوالي 700–1000 دولار سنويا بحلول عام 2002.

وكان وقتها النفط المحرك الرئيسي للصادرات، وتمكنت العراق من إنتاج ما يقرب من 3–3.5 مليون برميل يوميا قبل 2003، رغم تأثير الحصار والقيود على التصدير.

وبعد سقوط نظام صدام، واجه الاقتصاد العراقي تحولات جذرية، تمثلت في تحرير الاقتصاد من العقوبات الدولية وإعادة فتح باب التصدير النفطي بشكل أوسع، ودخول استثمارات دولية وعملات أجنبية لإعادة الإعمار بالإضافة إلى الصدمات الأمنية والسياسية التي أثرت على الاستقرار الاقتصادي.

ارتفع الناتج المحلي الإجمالي تدريجيا بعد 2003، مدفوعا بزيادة صادرات النفط وأسعار الخام العالمية، حتى وصل العراق إلى مستويات ناتج محلي إجمالي تقدر بمئات المليارات من الدولارات سنويا بحلول العقد الثاني بعد سقوط النظام، مع توقعات استمرار النمو في العقد الثالث.

كما تحسنت الاحتياطيات الأجنبية بعد رفع العقوبات، لكن الاقتصاد ظل عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية وضعف التنويع الهيكلي، مما أثر على استدامة النمو.

بعد 2003، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي بشكل ملحوظ مقارنة بالمرحلة الأخيرة قبل سقوط النظام، حيث تراوح ما بين 5800 إلى 6000 دولار مدفوعا بتحسن أسعار النفط وتوسع الميزانيات العامة، كما عادت صادرات النفط لتكون المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، حيث بلغ متوسط الصادرات أكثر من 3 ملايين برميل يوميا في السنوات الأخيرة، مما يعزز العائدات الحكومية بشكل مباشر.

لكن القطاع الصناعي المحلي بقي محدودا، إذ لا يزال الإنتاج غير النفطي يشكل نسبة صغيرة من الناتج الكلي، مع ضعف واضح في الصناعة التحويلية والتصنيع.

لبيا .. ثمن الفوضى في أغنى دول أفريقيا

ومن العراق إلى ليبيا، حيث أصبح الاقتصاد الليبي بين حقبتي ما قبل وبعد سقوط معمر القذافي عبارة عن ثروة نفطية وثمن فوضى طويلة، حيث يعد الاقتصاد الليبي من الاقتصادات الريعية المعتمدة بشكل شبه كامل على النفط والغاز، وكان قبل سقوط نظام معمر القذافي (1969–2011) من بين الأعلى دخلا في إفريقيا بفضل ثرواته الهائلة.

وبعد 2011، تحول المشهد الاقتصادي بشكل جذري بفعل النزاعات السياسية والصراعات المسلحة التي أعاقت إنتاج النفط والاستقرار المالي، وأثرت على مستوى معيشة المواطنين والمؤشرات الاقتصادية الأساسية.

قبل 2011، كان الاقتصاد الليبي قائما أساسا على قطاع النفط والغاز الذي ساهم بنحو أكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي و95% من الصادرات و90% من الإيرادات الحكومية، مما جعله المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية والتمويل الحكومي.

ووفق بيانات تاريخية، حقق الاقتصاد الليبي نموا إيجابيا في السنوات السابقة للثورة، \وكان يعتبر واحدا من أغنى الاقتصاديات في أفريقيا من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي، عام 2010، والذي وصل إلى حوالي 15000 دولار أمريكي، بناء على إجمالي ناتج محلي بلغ حوالي 75 مليار دولار وعدد سكان يقدر بـ 6.1 مليون نسمة، مما جعلها من أغنى الدول الأفريقية.

أما على أساس العملة المحلية، فقد ارتفع متوسط نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي الإجمالي من 8340 دينار في 2009 إلى 8417 دينار في 2010.

كما كانت احتياطيات النقد الأجنبي والذهب لدى مصرف ليبيا المركزي وصلت إلى حوالي 115 مليار دولار، وكان لدى ليبيا احتياطات نفطية ضخمة تقدر بأنها الأكبر في أفريقيا بحوالي 47 مليار برميل في 2010.

شهد الاقتصاد الليبي في نهاية عهد القذافي معدلات نمو معتبرة، في عام 2010، على سبيل المثال، حقق الاقتصاد نموا يقدر بنحو 3.3%وفق بعض التقديرات التاريخية.

وبالنسبة لصادارات النفط، كانت ليبيا تصدر نفطا بنحو 1.6 مليون برميل يوميا قبل اندلاع الحرب في 2011، وتحول النفط إلى العمود الفقري للاقتصاد، إلا أن القطاعات غير النفطية مثل التصنيع والزراعة والخدمات ظلت محدودة نسبيا، مما انعكس على ضعف في التنويع الاقتصادي وعدم التوسع في صناعات محلية قادرة على خلق فرص عمل مستدامة.

وبعد الثورة في 2011، انهارت مؤشرات الاقتصاد الليبي بشكل حاد نتيجة الحرب الأهلية، ما أدى إلى انكماش الناتج المحلي نحو 62% في عام 2011، وتراجع انتاج النفط إلى نحو 200 ألف برميل يوميا، كما شهد الاقتصاد كذلك تقلبات حادة في بعد عام 2011 وحتى منتصف العقد الثاني، مع إعادة انتعاش مؤقتة في 2012 ثم تراجع جديد مع تجدد النزاعات الداخلية.

وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى نحو نصف قيمته قبل 2011 بحلول 2022، بفعل اضطرابات الإنتاج وتراجع الإيرادات النفطية، حيث بلغ نصيب الفرد حوالي 6000 دولار في 2022، مقارنة بما يزيد عن 15 ألف دولار قبل الثورة، كما تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي إلى 70 مليار دولار.

السودان بين جرح الانفصال وتأثير الحرب

أما بالنسبة للاقتصاد السوداني قبل سقوط الرئيس عمر البشير حتى 2019، كان منهكا بين الركود السياسي والأزمات المتلاحقة، حيث كان الاقتصاد السوداني خلال سنوات حكم الرئيس عمر البشير خلال الفترة من 1989–2019 يعيش حالة من التذبذب والتحديات البنيوية، حيث اعتمد على النفط بصورة رئيسة بعد اكتشافه في نهاية التسعينيات، بينما بقي القطاع الزراعي يشغل شريحة واسعة من السكان، كما تصاعف الناتج المحلي الإجمالي خلال حكم البشير، بحوالي 4 مرات، ليصل إلى 177 مليار دولار في 2018.

بعد سقوط البشير في أبريل 2019، برزت آمال بتعافي اقتصادي تدريجي، لكنها اصطدمت بالصراعات الداخلية والأزمات الممتدة حتى اليوم، ما أسفر عن تدهور اقتصادي حاد وتراجع في المؤشرات الأساسية، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي حوالي 30.873 مليار دولار في عام 2019، كما تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 7.8% في 2008 إلى 3.1% في 2014، وفي آخر سنوات حكم البشير، تدهور الوضع أكثر ليسجل نموا سلبيا.

شهد السودان في عقد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين نموا ملحوظا في الناتج المحلي الإجمالي بفضل ارتفاع إنتاج النفط وارتفاع عوائده، وبلغ نمو الاقتصاد أكثر من 5% سنويا في بعض السنوات قبل 2011، وهو ما ساهم في انتعاش نسبي، ومن ثم تراجع النمو بشكل عام بعد فقدان الجزء الأكبر من حقول النفط إثر انفصال جنوب السودان عام 2011، ما أثر سلبا على العوائد والنمو الاقتصادي الكلي.

قبل سقوط البشير، وصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوياته الأعلى في تاريخ السودان في عام 2011، بحوالي 1388 دولارا، وبعد الاطاحة بالبشير شهد نصيب الفرد انخفاضا حادا، حيث سجل حوالي 581 دولارا في 2024، وتقديرات لـ 712 دولارا في 2025، مما يوضح استمرار التحديات الاقتصادية الكبرى وتأثيرها على مستوى معيشة الفرد، حتى بعد انتهاء فترة البشير.

وكان قطاع النفط أحد أهم مصادر العملة الأجنبية قبل انفصال الجنوب، لكن بعد 2011 فقد السودان نحو ثلثي إنتاجه النفطي تقريبا، ما أثر على النقد الأجنبي والحسابات الخارجية.

الصادرات السودانية كانت تشمل النفط إلى جانب الزراعة القطن، السمسم، العاج، ومع فقدان النفط تبقى الزراعة وتعدين الذهب من السلع الرئيسة.

وظل القطاع الصناعي محدودا مقارنة بالدور الهام للزراعة، كما كانت الصناعات التحويلية ضعيفة ولم تشهد تطورا حقيقيا، ساهمت السياسات الاقتصادية وسوء الإدارة في تدني الإنتاج الصناعي.

وبعد الإطاحة بالبشير في أبريل 2019، واجه السودان تحديات اقتصادية كبيرة، تمثلت في انكماش اقتصادي واضح منذ 2019 نتيجة الإرث الثقيل من السياسات الاقتصادية السابقة، إلى جانب انخفاض الصادرات وضعف الاحتياطيات الأجنبية، وارتفاع التضخم بشكل حاد قبل وبعد الإطاحة، نتيجة اختلالات مالية ونقص في السلع.

وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي انخفض بشكل كبير بعد 2019، ووصوله إلى مستويات أدنى من ذروة عام 2011، بنحو 581–712 دولارا في 2024–2025، في حين كان أعلى مستوى في 2011 قبل الانفصال النفطي.

كانت صادرات السودان تعتمد بشكل كبير على النفط، حيث كان يمثل حوالي 95% من إجمالي الصادرات قبل عام 2011، وبعد انفصال الجنوب فقد السودان ما يقرب من 75% من عائدات النفط، مما أدى إلى انهيار حاد في حجم وقيمة الصادرات بشكل عام.

واستمرت التحديات الاقتصادية والسياسية في التأثير سلبا على الصادرات، حيث أدت الحرب الأهلية المستمرة منذ أبريل 2023 إلى تفاقم الأزمة، وانخفضت قيمة الصادرات بشكل كبير، حيث سجلت الصادرات في عام 2024 حوالي 3.13 مليار دولار، مقارنة بـ 4.67 مليار دولار في  2018.

بحلول منتصف عشرينيات القرن الحادي والعشرين، سجل الناتج المحلي الإجمالي للسودان صعوبات كبيرة في النمو، مع انكماش الاقتصاد واحتدام أزمة نقدية حادة بعد اندلاع الحرب الأهلية في 2023 التي أدت إلى تراجع كبير في النشاط الاقتصادي الرسمي، ووقف كثير من الإنتاج التجاري والزراعي، وسقوط العملة المحلية مقابل الدولار وارتفاع معدلات التضخم بصورة قياسية، بالإضافة إلى انخفاض الصادرات الرسمية وتراجع العائدات الحكومية.  

ولم يصدر إعلان رسمي حديث لاحتياطيات السودان من النقد الأجنبي، لكن خسارة النفط بعد انفصال الجنوب وتدهور أوضاع الاقتصاد الكلي أدت إلى نقص حاد في العملات الأجنبية والقدرة على تمويل الواردات والحاجات الأساسية.

بعد 2019، تأثرت الصادرات بشكل كبير بسبب تراجع الإنتاج في مختلف القطاعات، لا سيما النفط الذي فقدته البلاد قبل سنوات، وكذلك بسبب الحرب التي بدأت في 2023 وأدت إلى شل الإنتاج الزراعي واللوجستي بصورة كبيرة.


الاقتصاد اليمني من الهشاشة إلى الانهيار

استطاع الاقتصاد اليمني أن يتحول قبل وبعد حكم علي عبد الله صالح، من هشاشة ما قبل الحرب إلى انهيار شامل بعد النزاعات، حيث كان اليمن قبل عام 2011 يعاني من تحديات تنموية واقتصادية عميقة، لكنها تفاقمت بشكل حاد بعد سنوات حكم علي عبد الله صالح، ومن ثم انهيار الدولة إثر اندلاع الحرب الأهلية منذ 2014.

شهدت اليمن سلسلة من الأزمات المتلاحقة التي أدت إلى تراجع شامل في المؤشرات الاقتصادية الأساسية، وسط اعتماد كبير على النفط والموارد الريعية، وهو ما انعكس بصورة كارثية بعد الثورة والحرب الأهلية المتواصلة.

قبل الثورة والأزمة الأوسع التي بدأت في 2011، كان الاقتصاد اليمني يشهد معدل نمو ضعيفا ومتذبذبا، مع اعتماد كبير على النفط والقطاع الحكومي في الإيرادات، حيث كان اليمن بشكل عام، يصنف من الدول منخفضة الدخل رغم بعض محاولات التنمية والإصلاح.

بلغ الناتج المحلي الإجمالي ذروة نسبية في منتصف العقد الأول من 2010 لكنه ظل هشًّا أمام الصدمات.

بحلول عام 2013 قبل اندلاع الحرب الأهلية اللاحقة، بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي نحو 2,500 دولار، ما يعكس وضعا اقتصاديا منخفض الدخل بالنسبة لمعايير المنطقة، لكنه أعلى من مستويات ما بعد الحرب لاحقًا.

وكان النفط يشكل حوالي 25% من الناتج المحلي الإجمالي و63% من إيرادات الحكومة قبل النزاع، كما شكل المصدر الرئيسي للصادرات اليمنية، إلى جانب مساعي متواضعة لتنويع الاقتصاد عبر الزراعة والغاز وغير ذلك.

كان الإنتاج الصناعي في اليمن صغيرا نسبيا، حيث ظل القطاع الزراعي والخدمي أكبر مستفيد من العمالة، بينما شكلت الصناعات التحويلية نسبة محدودة من الناتج، بسبب ضعف البنية التحتية والاعتماد على الواردات.

وبعد نهاية حكم صالح وتفاقم الوضع السياسي، اندلعت الحرب الأهلية في مارس 2015، وهو ما أدى إلى انهيار الاقتصاد اليمني بصورة كارثية، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من 50% منذ بداية الحرب حتى عام 2018.

سجل الاقتصاد اليمني خلال السنوات الأخيرة تقلصا في الناتج المحلي الإجمالي وتراجعا في معدلات النمو. وفق بيانات حديثة، بلغ الناتج المحلي الإجمالي حوالي 19.1 مليار دولار في 2024، بانخفاض حاد عن مستويات ما قبل الحرب التي وصلت إلى أكثر من 40 مليار دولار في 2014.

وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي بشكل ملحوظ، إذ بلغ نحو 620 دولارا في 2019 وتراجع تدريجيا في السنوات التالية، ليصل إلى حوالي 470 دولارا في 2024 وحوالي 415 دولارا متوقعا في 2025.

أدت الحرب وتراجع صادرات النفط إلى هشاشة شديدة في الاحتياطيات الأجنبية ونقص في العملة الصعبة، لم تعد هناك بيانات موثوقة حول مستويات الاحتياطي النقدي الرسمية بعد الحرب، لكن السوق يشهد انخفاضا حادا في السيولة النقدية وارتفاعا كبيرا في التضخم وتدهورا لسعر الريال اليمني.

بعد 2014 وتوقف فعال لصادرات النفط بفعل النزاع والحصار، تقلصت الصادرات بشكل كبير، حيث بات اليمن يعتمد على الصادرات غير النفطية المتواضعة مثل الذهب والسكر والأسماك والمواد الزراعية، بإجمالي صادرات سنوية تقل عن 400 مليون دولار، مقارنة بعوائد نفطية كانت تشكل قبيل الحرب الجزء الأكبر من العملة الأجنبية.

سوريا بعد بشار الأسد.. اقتصاد محطم ورحلة شاقة نحو التعافي

قبل اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011، كان الاقتصاد السوري يعكس صورة دولة ذات إمكانات إنتاجية واسعة نسبيا، رغم السياسات المركزية والفساد المزمن، بعد أكثر من عقد من النزاع المسلح، وانهيار الكثير من مؤسسات الدولة، وسقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، يجد الاقتصاد السوري نفسه أمام أزمة عميقة على كافة المستويات.

بحلول عام 2010، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لسوريا نحو 60 مليار دولار، وكان ذلك يمثل ذروة مرحلة ما قبل الحرب الاقتصادية رغم ضعف النمو الهيكلي وقيود السياسات الاقتصادية، حيث شهد الاقتصاد السوري في تلك الفترة توسعا محدودا، وإن كانت التحديات البنيوية واضحة، لا سيما في البنية الإنتاجية وتنوع الصادرات.

كان نصيب الفرد من الناتج المحلي في عام 2010 نحو 2,800 دولار، ما يضع سوريا ضمن قطاعات الدخل المتوسط في المنطقة مقارنة بدول الجوار، وإن كان ذلك غير كافٍ لرفع مستويات المعيشة بشكل كبير.

قبل الحرب والحصار الاقتصادي المفروض في أعقاب النزاع، كانت الاحتياطيات من النقد الأجنبي لدى المصرف المركزي السوري كافية لتغطية واردات البلاد لفترات معتبرة، والليرة السورية أكثر استقرارا مقابل العملات الأجنبية، حيث سجلت الاحتياطيات الأجنبية في 2010 حوالي 20 مليار دولار، بنسبة 31.1% من إجمالي الناتج المحلي السوري، وبدأت هذه الاحتياطيات بالتراجع الحاد مع بداية الأزمة في عام 2011، لتصل إلى 14 مليار دولار بنهاية ذلك العام، وتستمر في الاستنزاف خلال السنوات اللاحقة.

كما كانت سوريا تحتفظ بنحو 26 طنا من الذهب ضمن احتياطياتها، وهو رقم ظل مستقرا حتى عام 2011، فيما تراوح سعر صرف الليرة أمام الدولار بين 47 و50 ليرة، والآن وصلت إلى نحو 12 ألف ليرة مقابل الدولار.

كانت الصادرات السورية في 2010 تبلغ نحو 12 مليار دولار، تشمل النفط الخام، المنتجات الزراعية مثل القطن والقمح، وبعض الصناعات التحويلية مثل الغزل والنسيج، حيث شكل النفط نحو 30–35% من إجمالي الصادرات، بينما كان القطاع الزراعي والصناعات المرتبطة به فعالا نسبيا في الاقتصاد.

الإنتاج الصناعي كان يشمل الصناعات التقليدية ومؤسسات تصنيع محلية، وكانت سوريا تعمل ضمن إطار صناعي متوسط الحجم قبل الحرب رغم القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي والبنى القتالية المركزية.

ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في مارس 2011، أنهك الاقتصاد السوري بصورة تدريجية، وبحلول عام 2023، تراجع الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير، حيث تقلصت قيمة الاقتصاد من أكثر من 60 مليار دولار في 2010 إلى ما بين 20 و39 مليار دولار في أوائل العقد الثالث بعد الثورة.

وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي من نحو 2800 دولار في 2010 إلى نحو 2100 دولار في 2022–2023، ويتوقع أن ينخفض إلى نحو 1600 دولار في فترات لاحقة نظرا لانحدار الإنتاج وفقدان الاستقرار الاقتصادي.

وبعد الحرب، انخفضت قيمة الصادرات من نحو 12 مليار دولار في 2010 إلى ما يقارب 650 مليون دولار في 2023، بينما تراجعت الواردات أيضا من نحو 17.6 مليار دولار إلى حوالي 3.4–4.8 مليار دولار في السنوات ذاتها، وهذا الانحدار يعكس انهيار الكثير من القطاعات الإنتاجية وارتفاع اعتماد الاقتصاد على السلع الأساسية المستوردة.

تونس بين التحول الديمقراطي والتعثر المالي

كان الاقتصاد التونسي خلال فترة حكم زين العابدين بن علي (1987–2011) ينظر إليه كمنطقة استقرار اقتصادي في شمال إفريقيا، مع نمو مستدام، تنويع نسبي في القطاعات، ومستوى معيشة يعد جيدا مقارنة ببعض دول المنطقة.

بعد الثورة الشعبية في يناير 2011 التي أدت إلى سقوط بن علي، انفتح الاقتصاد على مرحلة انتقالية طويلة عرفت بتذبذب في النمو، ارتفاع في البطالة والدين العام، وضعف في الاستثمار والخدمات الاجتماعية، وسط تحديات سياسية مستمرة أثرت على الأداء الاقتصادي حتى منتصف عشرينيات القرن الحادي والعشرين.

قبل عام 2011 كان الاقتصاد التونسي يتمتع بمعدلات نمو معتدلة ومستقرة تمتد لعقود. خلال فترة بن علي، سجل الاقتصاد نموا سنويا يقارب 4–5% في كثير من السنوات، مدعوما بالاستثمارات في البنية التحتية والتعليم والسياحة والصناعات التحويلية والتجارة الخارجية.

كما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تدريجيا طوال سنوات حكم بن علي، حيث ارتفع من حوالي 1200 دولار أمريكي عام 1986 إلى حوالي 3.786 دولار أمريكي في عام 2008، وفي عام 2010، بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 8559 دولار أمريكي.

قبل الثورة، كانت تونس تحتفظ باحتياطيات جيدة من العملات الأجنبية نسبيا، بلغت نحو 9 مليارات دولار في 2010، مما مكنها من تمويل الواردات وتخفيف بعض الصدمات المالية.

كان الاقتصاد التونسي يظهر تنوعا نسبيا في الصادرات، مع مساهمة قطاعات متعددة في الصادرات الوطنية بما في ذلك المنتجات الزراعية كالزيتون والزيت، الصناعات الميكانيكية والكهربائية، النسيج، والسياحة كمصدر مهم للعملة الأجنبية، حيث بلغ حجم الصادرات التونسية حوالي 16.68 مليار دولار في عام 2010.

وبعد الثورة مباشرة تراجع النمو الاقتصادي بسبب الاضطرابات السياسية والانتقالية وضعف المناخ الاستثماري، حتى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي بين 2011 و2019 بلغ متوسطا منخفضا نحو 1.7% فقط، وفق تقرير اقتصادي دولي، مقارنة بـ4–5% في العقد السابق.

العوامل التي أسهمت في هذا الأداء الضعيف شملت ضعف الاستثمار الخاص، انخفاض الصادرات، وأزمات داخلية متتالية اضطرت الدولة للتدخل لتعويض البطالة وضعف الطلب الكلي.

بعد الثورة، ظل نصيب الفرد من الناتج المحلي يتأثر سلبا بتراجع النمو، ضعف الإنتاج، وتباطؤ الاستثمار، مع الأزمات المتلاحقة، لم يشهد دخل الفرد تحسنا يوازي مستويات ما قبل 2011، حتى مع محاولات التعافي في بعض الفترات.

تعرضت الاحتياطيات من العملات الأجنبية والقدرة على التمويل الخارجي لصدمات حادة بعد 2011 سجلت حوالي 10.504 مليار دينار، نتيجة ضعف الصادرات والسياحة وتراجع التحويلات، مما أثر على قدرة تونس على الاستيراد والسيطرة على سعر الصرف.

في السنوات الأخيرة، تشير البيانات الرسمية إلى أن احتياطيات النقد الأجنبي انخفضت إلى 22.7 مليار دينار، ما يكفي واردات نحو 98 يوما في 2025، مع استمرار تراجعها بالتوازي مع تحديات الميزان التجاري.

وعلى الرغم من التحديات، بقيت الصادرات محورا هاما في الاقتصاد، حيث وصل إجمالي الصادرات التونسية في السنوات الأخيرة إلى نحو 20 مليار دولار، مع تطور في قطاعات مثل المنتجات الغذائية والميكانيكية، لكنه تواجه تحديات في قطاعات الطاقة والمواد الخام بعد تراجعها مقابل ما كان عليه قبل الثورة.

ففي عام 2012، شهدت الصادرات التونسية نموا ملحوظا بنسبة 6.7% مقارنة بعام 2010، ووصلت قيمتها الإجمالية لمبلغ 11.370 مليون دينار، وواصلت الارتفاع خلال السنوات التالية لتصل في عام 2022 إلى 57.573 مليار دينار، وفي 2024 سجلت حوالي 62 مليار دينار.

تاريخيا، ارتبطت القوة الاقتصادية لهذه الدول بقدرتها على تصدير الموارد الأولية، وعلى رأسها النفط، ففي العراق وليبيا، كان النفط هو المحرك الذي يغذي أكثر من 90% من ميزانية الدولة، وهو ما خلق استقرارا ظاهريا لم يواكبه تنوع هيكلي في الصناعة أو الزراعة.

ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، واجهت هذه النماذج تحديات كبرى، فمن حصار دولي خانق على العراق والسودان، إلى سياسات مركزية وصعبة في سوريا وتونس، ومع وقوع التغيير السياسي سواء عبر تدخل خارجي كما في العراق خلال عام 2003، أو انتفاضات شعبية كما في دول الربيع العربي في 2011، وما تلاها، دخلت هذه الاقتصادات في نفق عدم اليقين.

ورغم رفع العقوبات عن بعضها، إلا أن غياب الاستقرار الأمني والفساد المؤسسي حول عوائد النفط والذهب من أدوات للتنمية إلى وقود للاقتتال الداخلي أو سد لثغرات الانهيار المعيشي، مما أدى في نهاية المطاف إلى تآكل الطبقة الوسطى وتراجع تاريخي في مؤشرات النمو.