تزامنا مع انعقاد البرلمان الجديد، كيف صاغت انتخابات 1924 ملامح الحياة النيابية في مصر؟
مع انعقاد البرلمان الجديد في 2026، يبدو لافتا أن اليوم يصادف ذكرى إجراء انتخابات مجلس نواب عام 1924، أول تجربة برلمانية في إطار دستوري واضح داخل القطر المصري، بعد إقرار دستور 1923، الذي أسس لنظام نيابي حديث، وحدد ملامح العلاقة بين السلطة التنفيذية والتمثيل الشعبي.
كيف أقيمت انتخابات عام 1924 ؟
جاءت انتخابات 1924 في سياق سياسي بالغ التعقيد؛ فمصر كانت قد خرجت لتوها من ثورة 1919، وحصلت على استقلال منقوص بموجب تصريح 28 فبراير 1922، مع بقاء النفوذ البريطاني حاضرًا في مفاصل الدولة.
وفي هذا المناخ، جرى تنظيم أول اقتراع برلماني حقيقي، شارك فيه الناخبون لاختيار أعضاء مجلس النواب، في خطوة اعتبرت وقتها انتقالًا من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية.
تركيبة برلمان 1924
أجريت الانتخابات على مرحلتين، وفق نظام انتخابي يقوم على الدوائر الفردية، وكان الترشح من نصيب فئات محددة من المجتمع، في مقدمتها ملاك الأراضي وكبار التجار وأبناء الطبقة الوسطى المتعلمة، ما انعكس مباشرة على تركيبة البرلمان.
وغلب على النواب المنتخبين الانتماء إلى النخبة السياسية والاجتماعية، من محامين، وأعيان، وشخصيات عامة لعبت أدوارًا بارزة في الحركة الوطنية.
وحسم حزب الوفد، بقيادة سعد زغلول، المشهد الانتخابي بشكل كاسح، بعدما حصل على الأغلبية الساحقة من المقاعد، مستفيدًا من رصيده الشعبي عقب ثورة 1919، وقدرته على التعبير عن تطلعات الاستقلال والدستور.
وهذا الفوز منح الوفد موقع الحزب المهيمن داخل البرلمان، ومكنه من تشكيل أول حكومة برلمانية برئاسة سعد زغلول نفسه، في سابقة سياسية غير معهودة آنذاك.
الوفد القديم، حزب مهيمن وتجربة قصيرة العمر
رغم الزخم الشعبي والسياسي الذي أحاط ببرلمان 1924، فإن التجربة لم تعمر طويلًا؛ إذ دخلت سريعًا في صدام مع القصر الملكي والاحتلال البريطاني، خاصة بعد اغتيال السير لي ستاك في نوفمبر من العام نفسه، وهو الحدث الذي فجر أزمة سياسية انتهت باستقالة الحكومة وحل البرلمان بعد أقل من عام على انعقاده.
ورغم قصر عمره، رسخ برلمان 1924 معادلات سياسية ظلت حاضرة في الحياة النيابية المصرية حتى الآن وإن اختلفت المعايير أبرزها دور الأحزاب الكبرى، وحدود التوازن بين البرلمان والسلطة التنفيذية، وتأثير الواقع الإقليمي والدولي على التجربة الديمقراطية.
اليوم ومع بدء دورة برلمانية جديدة في 2026، تستعاد هذه الذكرى لا باعتبارها مجرد محطة تاريخية، بل كنقطة تأسيس أولى لمسار نيابي طويل، شهد تحولات جذرية في شكل الدولة، وقواعد التمثيل، وتركيبة النواب، وصولًا إلى نموذج برلماني مختلف في أدواته وسياقه، لكنه لا ينفصل عن جذوره التي بدأت قبل أكثر من قرن.