العمليات الأمريكية في سوريا تستغل فزاعة داعش المتجددة.. مخيمات الاحتجاز بؤر حاضنة للأفكار الإرهابية.. ومخاوف من تسخير أمريكي إسرائيلي للتنظيم لاستباحة السيادة السورية الهشة
جاء إعلان الجيش الأردني عن مشاركة سلاح الجو الملكي في الضربات التي شنتها الولايات المتحدة مساء أمس السبت على مواقع تنظيم داعش في سوريا، بمثابة جرس إنذار حول مدى قدرة التنظيم على استعادة قوته على الأراضي السورية، مستغلا هشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية السورية، وتبني التنظيم لاستراتيجية أوسع تستهدف إحكام نفوذه في سوريا.
ويشير تقرير صادر عن فريق الدعم التحليلي ورصد العقوبات التابع لمجلس الأمن الدولي في 24 يوليو 2025 إلى أن تنظيم داعش -ذي التوجهات الأيديولوجية- يواصل أنشطته الرامية إلى فرض نفوذها على مؤسسات الدولة وممتلكاتها، في سياق يُنظر إليه على أنه تدخل منظم في الشأن العام. وتفيد المعلومات المتاحة بأن هذه الممارسات تأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى السيطرة على الموارد العامة واستخدامها خارج الأطر القانونية.
داعش ينتشر في منطقة البادية وريف حلب وحمص
من الناحية الجغرافية، ما زالت سوريا تشكل الملاذ الرئيسي لتنظيم داعش، رغم الضربات الجوية والعمليات الأمنية، حيث أعاد داعش تنظيم خلاياه هناك، وانطلق منها للتوسع مجددا، وتتركز خلايا داعش بشكل أساسي في منطقة البادية التي تقع في وسط وشرق سوريا وجزء من الشمال السوري، مع وجود أقل قرب دمشق وريف حلب وحمص والمناطق الجنوبية.
وأكد التقرير أن داعش وسع نشاطه السري لتشمل مناطق مأهولة بالسكان قرب دمشق، وفي ريفي حلب وحمص، إضافة إلى الجنوب السوري، بما في ذلك السويداء ودرعا وتلول الصفا، حيث يعتمد في هذه المناطق على خلايا صغيرة متنقلة وشبكات تهريب لتسهيل الحركة والتمويل.
3 آلاف عنصر تابع لتنظيم داعش في العراق وسوريا
ويحتفظ داعش بقدرة بشرية وتنظيمية مؤثرة في سوريا، إذ يقدر عدد مقاتليه بنحو 3 آلاف عنصر موزعين بين سوريا والعراق، مع وجود حوالي 400 مقاتل نشطين في شمال وشرق سوريا حيث يتركز نشاطهم ضد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

ويقول التقرير إن الآلاف من عناصر التنظيم لا يزالون محتجزين في السجون، بينما يشكل وجود النساء والأطفال المرتبطين به في مخيم الهول عاملا مستمرا لإعادة إنتاجه؛ حيث استفاد داعش من إطلاق سراح أكثر من 500 معتقل عقب انهيار نظام الرئيس السابق بشار الأسد، ومن حوادث فرار من السجون، ما ساعده على إعادة تزويد صفوفه بالمقاتلين.
داعش تستولي على معدات طبية
كما سيطرت عناصر داعش على 500 قطعة من المعدات الطبية من منشآت صحية حكومية، إضافة إلى نقلها من مواقعها الأصلية، كما استولت على ممتلكات تعود لمواطنين، بما في ذلك سيارات ومعدات، وفرضت قيودا على حركتهم، وشملت عمليات المصادرة –أيضا- أجهزة تقنية ومعدات اتصالات، إضافة إلى محتويات مخازن ومقار حكومية.
وتضرر القطاع الاقتصادي نتيجة هذه الممارسات، حيث أغلقت مؤسسات خاصة، وتوقفت أنشطة تجارية، وفرضت إتاوات غير قانونية طالت آلاف المتضررين؛ وأدى هذا الوضع إلى تدهور في الأوضاع الإنسانية، مع نقص في الخدمات الصحية والغذائية.
تمويل أنشطة داعش العسكرية
وبحسب المعلومات، جرى استخدام عائدات بيع الممتلكات المصادرة في تمويل أنشطة داعش العسكرية، وذلك ضمن ممارسات تحد من سيادة القانون، وتؤدي إلى تفاقم الانتهاكات، وتعرقل أي جهود مستقبلية للمساءلة أو المصالحة السورية.
وفي تصريحات إعلامية سابقة، أشار وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب فلاديمير فورونكوف إلى أن "منطقة البادية السورية لا تزال تستخدم كمركز للتخطيط العملياتي الخارجي لداعش، ومنطقة حيوية لأنشطته".
يجيد داعش استغلال الفوضى الأمنية
وحذر فورونكوف من أن عدم الاستقرار في سوريا يؤثر على مراكز الاحتجاز وغيرها من المرافق الواقعة تحت سيطرة قسد بشمال شرقي البلاد، مؤكدا أن 42 ألف فرد لهم صلات بتنظيم داعش لا يزالون محتجزين، بما يشمل 17 ألف عراقي، و16 ألفا و200 سوري، فضلا عن 8 آلاف و600 شخص من بلدان أخرى.

وتتولى قسد إدارة سجون تضم 9 آلاف من مسلحي داعش، إضافة إلى 38 ألف امرأة وطفل في مخيمي الهول وروج شمال شرقي سوريا، ما يعني أن الاشتباكات التي اندلعت على مدى الأسبوع الماضي بين قسد وقوات الجيش السوري في حي الشيخ مقصود في حلب قد تزيد من حجم الفوضى الأمنية التي يحسن داعش استغلالها.
مخيم الهول بؤرة حاضنة للتطرف
ووفق تقارير إعلامية، يشكل مخيم الهول أحد أخطر التحديات الأمنية في المنطقة، بسبب إيوائه آلاف الأفراد المرتبطين فكريا بتنظيم داعش، ويمثل بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة، إذ تحاول بعض الأمهات نشر وتعزيز أيديولوجيا التنظيم بين أبنائهن، مما يثير مخاوف من تحوله إلى حاضنة للتطرف؛ وهو ما أكدته تصريحات الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا بأن "خلية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية انطلقت من مخيم الهول ونفذت تفجيرا في كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بدمشق في 22 يونيو 2025، ما أدى إلى مقتل 25 وإصابة العشرات".
واشنطن وإسرائيل قد تستغلان فزاعة داعش لانتهاك السيادة السورية
وفي ظل استمرار هشاشة الوضع الأمني السوري والاشتباكات العسكرية التي تتصاعد من حين إلى آخر بين الجيش السوري وتنظيمات أخرى –مثل قسد الدروز وغيرها- يبدو أن تنظيم داعش ما زال يستفيد من الفراغات القائمة لإعادة فرض حضوره على الأرض.
ومع تصاعد المخاوف من استغلال المخيمات ومراكز الاحتجاز كحاضنة للتطرف، تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة تعالج الجوانب الأمنية لمنع التنظيم من إعادة إنتاج نفسه وتهديد مستقبل الاستقرار في سوريا، مع أهمية الحفاظ على السيادة السورية بحيث لا تستغل الولايات المتحدة –ومن خلفها سلطات الاحتلال الإسرائيلية- داعش كفزاعة تستخدمها لاستباحة الأراضي السورية كلما تطلبت مصالحها ذلك.