لماذا تقف جماعة الإخوان صامتة أمام الاحتجاجات الإيرانية؟
على مدار أكثر من عقد، اكتسبت جماعة الإخوان عداءً واسعًا من الأنظمة العربية المستقرة، ليس فقط بسبب خلافات سياسية عابرة، وإنما نتيجة تبنّيها خطابًا صريحًا يدعو للثورة والتمرد وتغيير الأنظمة بالقوة الشعبية.
وفي الحالة المصرية تحديدًا، لم تتوقف الجماعة منذ 2013 عن الدعوة إلى إسقاط النظام، وتغذية أي حراك احتجاجي باعتباره «ثورة مؤجلة»، مستخدمة الشعارات نفسها التي رفعتها في ميادين عربية مختلفة.
لكن المفارقة اللافتة اليوم، تقف الجماعة صامتة صمت القبور أمام الاحتجاجات الإيرانية المشتعلة، رغم أنها ترفع الشعارات ذاتها، رفض القمع، التنديد بالأوضاع الاقتصادية، والمطالبة بالحرية والكرامة، وهو الصمت الذي يطرح تساؤلات عميقة حول ازدواجية الخطاب، وحدود «الثورية الإخوانية» حين تصطدم بحسابات أيديولوجية وسياسية أكثر تعقيدًا.
موقف الإخوان المعقد من الاحتجاجات الإيرانية
ويقول عمرو عبد الحافظ، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، إن التظاهرات الإيرانية وضعت جماعة الإخوان في مصر أمام مأزق حقيقي، مشيرًا إلى أن العلاقة بين الطرفين ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى ما بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979.
وأوضح عبد الحافظ، في تصريح لـ«فيتو»، أن الجماعة رأت في ثورة الملالي آنذاك نموذجًا ملهمًا، ومؤشرًا على إمكانية وصول الحركات الإسلامية إلى الحكم عبر الحشد الشعبي وإسقاط الأنظمة القائمة.
جذور العلاقة بين إيران والإخوان
يعود مشروع التقارب السني الشيعي إلى أربعينيات القرن الماضي، حين أسس حسن البنا مع العالم الإيراني محمد تقي القمي «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية» في القاهرة، في محاولة لتجاوز الخلافات المذهبية تحت مظلة «الوحدة الإسلامية».
وتشير كتب وشهادات صادرة عن رموز إخوانية، من بينها مذكرات وشهادات فكرية لقيادات تاريخية، إلى أن إيران رغم اختلافها المذهبي كانت الإخوان تنظر إليها باعتبارها تجربة سياسية إسلامية قابلة للاستنساخ لا سيما بعد نجاحها في إسقاط نظام الشاه.
يؤكد ذلك الباحث عمرو عبد الحافظ، موضحا أن حسن البنا كان من أوائل المنادين بالتقريب بين السنة والشيعة ضمن رؤية جامعة، وهو ما جعل العلاقة مع إيران بعد 1979 تأخذ طابعًا أيديولوجيًا، لا سياسيًا فقط، وداخل الجماعة، جرى النظر إلى التجربة الإيرانية باعتبارها «مرآة محتملة» لإعادة إنتاج نموذج حكم إسلامي في مصر.
غير أن هذه العلاقة لم تخل من التناقضات، فموقف إيران الداعم للنظام السوري السابق وضعها في مواجهة مباشرة مع إخوان سوريا، ما انعكس لاحقًا على مواقف متباينة داخل التنظيم الدولي للإخوان الذي تسيطر عليه الجماعة الأم في مصر، وبرز ذلك بوضوح عندما رفض إخوان سوريا بيانًا أصدرته جبهة لندن التابعة لإخوان مصر، أبدت فيه دعمًا لإيران خلال حربها الأخيرة مع إسرائيل.
وهذا التناقض، بحسب «عبد الحافظ»، يفسر حالة الارتباك الحالية، فإخوان مصر يقفون اليوم بين خيارين أحلاهما مر، دعم نظام إيراني قدم دعمًا مباشرًا لحماس ـ فرعهم الفلسطيني ـ أو مهاجمته بسبب عدائه التاريخي لإخوان سوريا وقمعه الداخلي، لذا كانت النتيجة كانت صمتًا حذرًا، يعكس مأزقًا سياسيًا وأيديولوجيًا يصعب تجاوزه دون خسائر.
وتتصاعد الاحتجاجات في إيران منذ أسابيع، مدفوعة بغضب شعبي واسع على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتشديد القبضة الأمنية، وتراجع الحريات العامة، خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير وحقوق المرأة، ورغم الانتشار الأمني الكثيف، يواصل المتظاهرون تحركاتهم في مدن كبرى وبلدات صغيرة، في مشهد يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين النظام والمجتمع.