من فيينا إلى بروكسل، كيف تحاصر أوروبا الإسلام السياسي عبر تسجيل الأئمة؟
أعاد هجوم فيينا الإرهابي في نوفمبر 2020 فتح نقاش واسع داخل أوروبا حول آليات التعامل مع الإسلام السياسي، ودفع عددًا من الدول، وفي مقدمتها النمسا، إلى مراجعة سياساتها تجاه الخطاب الديني داخل التجمعات الإسلامية، ومع تصاعد المخاوف الأمنية، برزت دعوات نمساوية لتسجيل الأئمة العاملين داخل دول الاتحاد الأوروبي، باعتبارها إحدى أدوات مواجهة التطرف.
وتؤكد الحكومة النمساوية أن هذه الدعوة لا تستهدف الدين الإسلامي في حد ذاته، بل تندرج ضمن ما تصفه بـ«تجفيف منابع التطرف»، في ظل قناعة رسمية بأن تنقل بعض الأئمة بين أكثر من دولة أوروبية قد يستغل كغطاء لنشاط سياسي أو أمني عابر للحدود.
لماذا تقاتل أوروبا لـ تسجيل الأئمة؟
في تصريحات لصحيفة «دي فيلت» الألمانية، قالت وزيرة الشؤون الأوروبية النمساوية، كارولين إدتستادلر، إن تسجيل الأئمة أصبح ضرورة أمنية، مشيرة إلى أن غياب قواعد بيانات واضحة يصعب على الأجهزة المختصة متابعة طبيعة الخطاب الديني داخل بعض المساجد.
وترى فيينا أن التداخل بين الدين والعمل العام داخل بعض التجمعات الإسلامية يخلق فجوات رقابية، قد تستغلها تيارات متطرفة، ما يستدعي ـ من وجهة نظرها ـ إطارًا تنظيميًا أكثر صرامة.
وبدأت النمسا منذ عام 2021 تطبيق سجل وطني للأئمة، تشرف عليه هيئة «التجمع الديني الإسلامي في النمسا»، يشمل بيانات تتعلق بالهوية وطبيعة العمل ومواقع الخطابة، ومع تكرار الهجمات الإرهابية في عواصم أوروبية مختلفة، تسعى فيينا إلى تعميم التجربة على مستوى الاتحاد الأوروبي، باعتبار أن التهديدات الأمنية لم تعد محصورة داخل حدود دولة واحدة.
حزمة أوسع لمكافحة الإرهاب
لم يقتصر النهج النمساوي على تسجيل الأئمة فقط، بل شمل توسيع الحظر على الرموز المرتبطة بـ المنظمات المتطرفة، سواء اليمينية أو ذات الخلفية الدينية، إلى جانب تعديل القانون الجنائي لاستحداث جريمة «الانتماء إلى جمعية متطرفة ذات دوافع دينية».
كما أنشأت الحكومة سجلًا خاصًا بمرتكبي الجرائم الإرهابية، يترتب عليه قيود دائمة، من بينها حظر امتلاك السلاح، ومنع العمل في قطاعات أمنية حساسة، وتشديد الرقابة على المفرج عنهم في قضايا الإرهاب.
ضوابط مراقبة تمويل الإسلاميين في النمسا
وفي السياق نفسه، فرضت النمسا قيودًا على التمويل الأجنبي للمساجد، وتطالب برقابة أوروبية أشد على الأموال الموجهة للجمعيات والمنظمات العاملة داخل التجمعات الإسلامية، لمنع وصولها إلى جهات تُصنَّف على أنها ذات توجهات متطرفة أو معادية للسامية.
ورغم تشدد الإجراءات، لم تصل النمسا إلى حد الحظر الصريح لما يُعرف بـ«الإسلام السياسي»، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الأمن القومي واحترام الحريات الدينية. وفي المقابل، تحذر أطراف حقوقية من أن توسيع هذه السياسات دون إطار قانوني أوروبي موحد قد يفتح الباب أمام جدل قانوني أوسع حول الحريات والاندماج.
في المحصلة، تعكس الدعوة النمساوية تحولًا واضحًا في مقاربة أوروبا لملف التطرف الديني، حيث لم يعد التركيز منصبًا فقط على سياسات الاندماج، بل امتد إلى تنظيم المجال الديني نفسه ضمن سياق أمني متصاعد.