فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

عبد الله أوجلان.. حين تُستعاد السياسة من أنياب القوة

في الأزمنة التي تفقد فيها السياسة معناها، وتتحول إلى إدارةٍ للعنف لا إلى فنٍّ لتنظيم العيش المشترك، نحتاج إلى أصوات لا تُكثر الكلام عن السلطة، بل تُعيد طرح السؤال الذي يسبقها: لماذا نعيش معًا أصلًا؟ وكيف يمكن أن نفعل ذلك دون أن نتحول إلى أعداء؟

عبد الله أوجلان هو واحد من القلائل في هذه المنطقة الذين ذهبوا بهذا السؤال إلى نهايته الفكرية والأخلاقية. لم يكتفِ بأن يكون قائد حركة تحرر، بل تحوّل -عبر مسار طويل من النقد الذاتي والمراجعة الجذرية- إلى مفكر سياسي يحاول إنقاذ السياسة من نفسها، حين تنقلب من أداة تنظيم إلى أداة سحق.

من زنزانته في إيمرالي، وعلى مدى أكثر من ربع قرن، لم يتحول أوجلان إلى رمز جامد، بل إلى عقل نقدي حيّ، أعاد تفكيك تجربته، ونقد أدواتها، وراجع مسلماتها، وذهب بها إلى نهايات لم تجرؤ عليها معظم حركات التحرر: الدعوة إلى حل حزبه، وإلقاء السلاح، لا بوصف ذلك استسلامًا، بل باعتباره لحظة انتقال من منطق الغلبة إلى منطق العقد، ومن لغة القوة إلى لغة السياسة.

من هنا ينبغي قراءة رسالته الأخيرة بمناسبة العام الجديد: لا كنص ظرفي، بل كحلقة جديدة في مشروع يسعى إلى إخراج الشرق الأوسط من قرن الحروب إلى قرن السياسة.

من الدولة إلى المجتمع: قلب الانقلاب الأوجلاني

القطيعة الأساسية في فكر أوجلان ليست مع خصم سياسي بعينه، بل مع نموذج كامل للحداثة السياسية: نموذج الدولة القومية الصلبة التي قامت - كما يقول - على إخضاع المجتمع لا تمثيله، وعلى صهر الاختلاف لا تنظيمه، وعلى تحويل الهوية إلى سلاح.

 

في هذا، يلتقي أوجلان مع نقد حنّة آرنت للسلطة حين تنفصل عن الفعل المشترك وتتحول إلى عنف، ومع نقد فوكو للدولة الحديثة بوصفها جهاز ضبط وإدارة للأجساد قبل أن تكون إطارًا للحرية، ومع رؤية موراي بوكتشين التي ترى أن الدولة، في صيغتها الهرمية، لا تستطيع أن تنتج ديمقراطية حقيقية، لأنها تقوم أصلًا على نفي المجتمع كفاعل ذاتي.

 

الأمة الديمقراطية، في هذا السياق، ليست شعارًا شاعريًا، بل محاولة لإعادة تأسيس السياسة من الأسفل: من المجتمع، من التعدد، من الاعتراف، من التنظيم الذاتي، لا من المركز، ولا من الهوية الواحدة، ولا من العنف المؤسس.

هي تصور لأمة بلا قومية قاهرة، وبلا دولة متغولة، وبلا حدود ثقافية مغلقة. أمة تقوم على التعايش لا على النقاء، وعلى التعدد لا على الصهر، وعلى العقد لا على السيف.

سوريا: مختبر الفكرة ومأزقها

حين يتحدث أوجلان عن سوريا، فهو لا يقرأها كخريطة جيوسياسية فقط، بل كمختبر تاريخي لفكرته: هل يمكن لمجتمع ممزق بالحرب والهويات أن يعيد تأسيس نفسه سياسيًا دون أن يمر عبر دورة عنف جديدة؟

 

يرى أن الأزمة السورية ليست فقط في انهيار الدولة، بل في طبيعتها الأصلية: دولة أحادية لم تعرف كيف تكون دولة لجميع مواطنيها. ولهذا فإن أي حل لا يمر عبر الديمقراطية والاندماج التفاوضي، سيبقى مجرد هدنة داخل حرب مؤجلة.

 

اتفاق 10 آذار/ مارس، في هذا المعنى، ليس حلًا، بل لحظة فتح: لحظة انتقال من زمن السلاح إلى زمن الكلام، من منطق السيطرة إلى منطق التفاوض، من لغة الأمر الواقع إلى لغة العقد السياسي.

نجاحه لا يُقاس بمدى تنفيذه التقني، بل بمدى تحوله إلى مسار يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، بين الدولة والمجتمع، بين الوحدة والتعدد.

تركيا: بين منطق القوة ومنطق الحكمة

حين يدعو أوجلان تركيا إلى لعب دور بنّاء، فهو لا يناشدها سياسيًا فحسب، بل يضعها أمام امتحان فلسفي: هل تريد أن تكون دولة قوة أم دولة معنى؟

دولة القوة تستطيع أن تُخضع، لكنها لا تستطيع أن تُقنع. دولة القوة تستطيع أن تنتصر عسكريًا، لكنها لا تستطيع أن تنتصر اجتماعيًا. أما دولة الحكمة، فهي التي تفهم أن الاستقرار لا يُصنع بالقمع، بل بالعقد، وأن الأمن لا يُبنى على الخوف، بل على الثقة.

ربط أوجلان بين السلام الداخلي في تركيا والاستقرار الإقليمي ليس خطابًا أخلاقيًا، بل تشخيصًا واقعيًا، لا يمكن لدولة أن تكون مصدر استقرار وهي عاجزة عن حل تناقضها الداخلي الأكبر.

الرجل بوصفه فرصة

عبد الله أوجلان اليوم ليس مجرد سجين سياسي، بل عقدة رمزية وفكرية في قلب واحدة من أعقد قضايا المنطقة. وجوده، بما يمثله في الوعي الكردي عبر دول التوزع، هو وجود قدرة على تحويل الصراع إلى سياسة، والعنف إلى تفاوض، والقطيعة إلى عقد اجتماعي جديد.

من هنا فإن إطلاق سراحه ليس تنازلًا، بل استثمار تاريخي في السلام. ليس ضعفًا، بل شجاعة من طراز نادر.. إذا أرادت تركيا أن تمسك بالفرصة التاريخية التي تفتحها هذه اللحظة، فعليها أن تبدأ بتحرير الرجل الذي حاول أن يحرر السياسة من العنف، والدولة من توحشها، والمجتمع من خوفه.

بدون أوجلان الحر، ستبقى الحلول مؤقتة، والاستقرارات هشة، والرسائل ناقصة.. أما به، فقد يصبح ممكنًا -للمرة الأولى منذ قرن- أن نرى الشرق الأوسط لا كساحة صراع، بل كمساحة سياسة. وحينها فقط، قد تستعيد السياسة معناها.. لا بوصفها إدارة للقوة، بل بوصفها فنّ العيش معًا.