فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

دولة بدرجة قاطع طريق.. الولايات المتحدة تاريخ طويل من “البلطجة” العسكرية والسياسية ومحاولات السيطرة على النفط والموارد الطبيعية.. والعنف أداة أساسية في الفكر الأمريكي

الرئيس الفنزويلي
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو

ويل لحضارة يقودها قاطع طريق؛ عبارة من خمس كلمات ربما لخصت تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية منذ تأسيسها قبل 236 عامًا فقط على جثث وأشلاء الهنود الحمر؛ فمن جواتيمالا وتشيلي إلى بنما وفنزويلا، تتكرر القصة ذاتها بأسماء وأدوات مختلفة، في مشهد يؤكد أن تاريخ التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية ما زال مفتوحًا على فصول جديدة لم تُكتب نهايتها بعد.

ولا يخلو الأمر من جرائم أخرى ارتكبتها الولايات المتحدة في مناطق أخرى من العالم، وفي القلب منها ارتكاب أكبر جريمة نووية شهدتها الإنسانية في هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين، وهي الجريمة التي اقترنت باغتصاب أكثر من 1336 سيدة يابانية في الأيام العشرة الأولى لاحتلال ولاية كاناجاوا.

وكذلك الحرب الأمريكية ضد كوريا في يوليو 1950، التي خلفت حوالي 400 قتيل مدني في ثلاثة أيام فقط؛ أغلبهم نساء وأطفال وشيوخ في قرية نوجن-ري بكوريا الجنوبية، والحرب الفيتنامية، والتي بلغ عدد ضحاياها ما لا يقل عن 3 ملايين و400 ألف، وهو عدد قد يزيد إلى 5 ملايين شخص، بينهم 4 ملايين مدني، والحرب على العراق التي أسقطت مليوني مدني عراقي، وشهدت فضيحة أخلاقية تجسدت في الاعتداءات الجنسية على معتقلي سجن أبو غريب.

الحرق والقتل عقيدة أمريكية

تلك الفضائح وغيرها لم تكن سوى جزءًا من عقيدة أمريكية عبّر عنها جنرال أمريكي يُدعى جيكوب سميث في عام 1900، قائلًا: لا أريد أي سجناء، أتمنى أن تقتل وتحرق، كلما قتلت وحرقت أكثر كلما كان ذلك أفضل لي، وأريد قتل جميع الأشخاص القادرين على حمل السلاح في الأعمال العدائية الفعلية ضد الولايات المتحدة.

لم يكن غريبًا أن تصاحب عقيدة سميث الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، الذي وصفه الصحفي الأمريكي مايكل وولف في كتابه "نار وغضب.. داخل بيت ترامب الأبيض" بـ"أبله محاط بمهرجين"، خلال اتخاذ قراره باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من غرفة نومهما بقصر الرئاسة.

ملحق "ترامبي" لمبدأ مونرو

منذ البداية، اختار ترامب في استراتيجيته إضافة "ملحق ترامبي" لمبدأ مونرو، والذي أُعلن عنه لأول مرة عام 1828، ونصّ على أن أمريكا اللاتينية جزء من مجال النفوذ الأمريكي، وحذّر القوى الإمبريالية الأوروبية من التدخل، مؤكدًا أن واشنطن "تريد النصف الغربي من الكرة الأرضية خاليًا من التوغل الأجنبي المعادي أو من امتلاك أصول رئيسية"، وفق ما هو معلن.

ويُبنى ذلك جزئيًا على سياسات إدارات أمريكية سابقة، حيث قالت قائدة القيادة الجنوبية للولايات المتحدة من عام 2021 إلى عام 2024، لورا ريتشاردسون: "يعرف منافسونا ذلك، ويعرف خصومنا أن هذه المنطقة غنية بالموارد إلى حد مذهل، إن 60% من ليثيوم العالم موجود في هذه المنطقة، لديكم نفط ثقيل، ونفط خفيف حلو، وعناصر أرضية نادرة، لديكم الأمازون الذي يُسمى رئة العالم، ولديكم 31% من المياه العذبة في العالم هنا في هذه المنطقة. وهناك خصوم يستغلون هذه المنطقة كل يوم على مقربة من جوارنا".

حديقة الولايات المتحدة الخلفية

تصريحات ريتشاردسون لم تكن سوى صدى لتاريخ طويل من التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية؛ تاريخ يعود إلى ما قبل 127 عامًا، وتحديدًا عام 1898، حيث بدأت التعامل –رسميًا– مع تلك المنطقة باعتبارها "حديقتها الخلفية"؛ وهو ما عبّر عنه مستشار الأمن القومي الأمريكي في ولاية ترامب الأولى قائلًا: لقد شاركت شخصيًا في التخطيط لانقلابات خارج الولايات المتحدة، ومنها المحاولة الفاشلة التي قام بها في 2019 زعيم المعارضة الفنزويلية خوان جوايدو، الذي كانت واشنطن تدعمه، للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، بحسب موقع "سويس إنفو".

جواتيمالا.. الأساطيل الأمريكية في وجه الديمقراطية

في عام 1944، شهدت جواتيمالا انتفاضة شعبية أطاحت بالديكتاتور جورج يوبيكو، وفوز خوان خوسيه أريفالو بأول انتخابات رئاسية ديمقراطية، قبل انتخاب الجنرال جاكوبو أربينز رئيسًا للبلاد في عام 1950؛ حيث سعى أربينز لاستكمال إجراءات سلفه الإصلاحية، ورسم خريطة لدولة جديدة قائمة على الدفاع عن حقوق الفقراء، وأصدر قرارًا بتوزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين، بدلًا عن شركة "الفواكه المتحدة"، والتي كان ملاكها على علاقة قوية بحكومة الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور.

بطبيعة الحال، لم ترضَ تلك الخطوات إدارة أيزنهاور، والتي سرعان ما خططت لانقلاب ضمن عملية سرية نفذتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" في 18 يونيو 1954، وانتهت بإعلان أربينز استقالته الرسمية في 27 يونيو من العام ذاته، ليصبح كاستيلو أرماس رئيسًا لجواتيمالا؛ حيث حكم البلاد بالحديد والنار، وقضى على الخطوة التي كانت تخطوها البلاد تجاه الديمقراطية، بعدما تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية بأسطولها البحري والجوي، وقصفت مدن جواتيمالا، وحاصرتها بحريًا.

تشيلي.. التخلي عن الحليف القوي

تولى الجنرال أوجستو بينوشيه رئاسة الحكومة التشيلية العسكرية منذ عام 1973 وحتى عام 1990، وفي نوفمبر 1970، وصل الزعيم الاشتراكي سلفادور أليندي إلى رئاسة تشيلي، في انتخابات الرئاسة التشيلية 1970، على الرغم من تخصيص الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون 10 ملايين دولار لمنع وصول أليندي إلى السلطة، من خلال خطة وضعها بالتعاون مع وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر.

واتخذ أليندي سياسات ضربت مصالح الولايات المتحدة في تشيلي، وميولها الاشتراكية الواضحة، ورأت واشنطن أنه بمثابة خطر كبير يهدد مصالحها، لكنها لم تستطع الطعن والتشكيك في شرعيته كحاكم؛ لأنه فاز في الانتخابات بطريقة شريفة.

وخلال أقل من ثلاثة أعوام، اختارت واشنطن قائد الجيش أوجستو بينوشيه ليكون رجلها بامتياز؛ حيث استولى على السلطة في 11 سبتمبر عام 1973، وحاصر القصر الرئاسي بالدبابات مطالبًا أليندي بالاستسلام والهروب، لكن أليندي رفض، وارتدى الوشاح الرئاسي الذي ميّز رؤساء تشيلي طوال قرنين من الزمان، ليسقط قتيلًا في القصر الرئاسي، ليبدأ أوجستو بينوشيه رحلة حكم امتدت لـ17 عامًا، بعدما تخلت الولايات المتحدة عن دعمه، لتتركه فريسة لمحاكمات لا تنتهي ومتاعب صحية لا تفارقه حتى وفاته في 10 ديسمبر 2006.

غزو بنما.. حليف الأمس عدو اليوم

ففي 20 ديسمبر 1989، أصدر الرئيس الأمريكي الراحل جورج بوش الأب قرارًا بغزو بنما، ونشرت الولايات المتحدة أكثر من 26 ألف جندي لتنفيذ عملية عسكرية أُطلق عليها اسم "القضية العادلة"، أطاحت برئيس البلاد مانويل نورييجا.

والعجيب أن نورييجا كان يتمتع بدعم أمريكي في السابق، إلا أن العلاقات بين الجانبين شهدت توترًا متصاعدًا في ثمانينيات القرن العشرين، وبدأت واشنطن توجّه له اتهامات بالفساد السياسي وغسل الأموال وتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، إلى جانب عدم القدرة على حفظ الأمن حول قناة بنما، وبالفعل اعتقلت القوات الأمريكية الرئيس البنمي وقدّم للمحاكمة، وصدر ضده حكم بالسجن 40 عامًا، قبل نقله إلى فرنسا في 2010، حيث حُكم عليه بالسجن بتهمة غسل الأموال والفساد والاختلاس، وفي 2011، سلّمته باريس إلى بنما ليمضي ثلاثة أحكام بالسجن 20 عامًا لمسؤوليته عن اختفاء معارضين، ليموت داخل سجنه في 2017، بحسب موسوعة "بريتانيكا".

الاستيلاء على النصف الغربي من الكرة الأرضية

بحسب كبير مستشاري الأمن القومي في "مركز الاستراتيجية البحرية" في الولايات المتحدة، مات رايزنر، فإن "تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد فنزويلا تكشف رغبته في السيطرة على الجزء الغربي من نصف الكرة الأرضية".

يقول رايزنر: تبنّت استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترامب فكرة التعامل مع نصف الكرة الغربي كأولوية أمنية وطنية بارزة، وروّجت لـ"مبدأ مونرو"، معلنة أن أمريكا سوف تتصدى للاتجاهات الإقليمية التي ترى أنها تتعارض مع مصالحها، بما في ذلك الهجرة الجماعية، والجريمة العابرة للحدود الوطنية، وأي توغل معادٍ للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية.

ويمكن القول بأن فنزويلا ليست الدولة الوحيدة التي يستهدفها العدوان، حيث تمتد خطوط واشنطن على استقامتها لتعطيل الشراكة العميقة بين كاراكاس وبكين؛ إذ تشتري الصين نحو 80% من صادرات النفط الفنزويلية، وتعد شركة البترول الوطنية الصينية أكبر مستثمر أجنبي في النفط الفنزويلي، ولدى الشركات الصينية عقود مشاركة لإنتاج النفط في فنزويلا تمتد لعقود.

القضاء على النفوذ الصيني

وترغب إدارة ترامب في القضاء على النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية، كما يتضح من حملة الضغط الناجحة التي شنتها لإقناع بنما بالانسحاب من "مبادرة الحزام والطريق الصينية"، في إشارة إلى ما يُعرف بـ"طريق الحرير الجديد"، والذي يستهدف ربط الصين بالعالم في أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية.

وعلى الرغم من أن الصين لديها ما يكفي من النفط لتجنب أي نقص على المدى القريب بسبب تعطيل العدوان الأمريكي لصادرات النفط الفنزويلية، إلا أن موقف ترامب العدواني تجاه أحد شركائها الإقليميين واستهدافه لأكبر مصدر للاستثمار الصيني، ممثلًا في فنزويلا، هو رسالة واضحة إلى بكين للتخلي عن طموحاتها في نصف الكرة الغربي.

وبحسب استراتيجية ترامب، فإنه يؤمن بأن سيطرته على النصف الغربي من الكرة الأرضية تساعد واشنطن على تحقيق مصالحها الخاصة وعزل القوى الأجنبية مثل الصين؛ لكن ذلك قد يزيد عزلة الولايات المتحدة عن جيرانها، ويشجع دول أمريكا اللاتينية على إقامة شراكات مع منافسي واشنطن الجيوسياسيين بحثًا عن الدعم الأمني في مواجهة أي سلوك عدواني أو غير متوقع من الولايات المتحدة.

السيطرة على النفط

وتعد صناعة النفط أحد المحركات القليلة المتبقية للنمو الاقتصادي في فنزويلا، حيث تمثل نحو 80% من إجمالي قيمة صادرات البلاد، وتموّل حوالي 60% من ميزانية الحكومة.

وبلغة الأرقام، تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات من النفط الخام في العالم، وأدت العقوبات التي فرضها ترامب خلال فترة رئاسته الأولى على صناعة النفط في فنزويلا في عام 2019 إلى انخفاض أكثر من 50% في صادرات البلاد اليومية من النفط الخام بحلول نهاية العام. ومع ذلك، فإن استخدام فنزويلا لـ"أسطول الظل" لنقل النفط إلى الأسواق الدولية أدى إلى دعم صناعة النفط على أراضيها؛ حيث صدّرت حوالي 952 ألف برميل يوميًا في نوفمبر 2025، مقارنة بـ495 ألف برميل في أواخر عام 2019.

ما حدث في فنزويلا إذن لم يكن مجرد حادث عابر في سلسلة أحداث منفصلة، بل نهجًا أمريكيًا متكاملًا تحكمه اعتبارات الهيمنة الاستراتيجية والاستيلاء على موارد الطاقة والموارد الطبيعية، ما يجعل من تلك المنطقة –ذات التصنيف الثقافي واللغوي والتاريخي الفريد– ساحة صراع نفوذ مفتوح، قد يدفع دول تلك القارة التي طالما عُرفت بـ"العالم الجديد" للبحث عن شراكات دفاعية وعسكرية واقتصادية مع منافسي واشنطن في مواجهة البلطجة الأمريكية.