داوود عبد السيد والقدوة للشباب!
كلما تأملت ملامح العبقري داوود عبد السيد، كنت أشعر أنها قطعة نحت من طمي النيل، عليه عبق من تراب الوطن، كنت أنظر إليه أقرأ مصر القديمة، مصر التي تحملت عبر آلاف السنين عبء البشر، سواء من أبنائها أو الاستعمار، كانت ملامح داوود عبد السيد عنوانا يجسم تاريخ مصر، وقوة وإرادة المصري القديم، وتحدي المصري لكل الصعاب التي تواجهه..
على مدى عامين لم أنجح في الاحتفاء بتجربته، في جمعية محبي الفنون الجميلة، كل محاولاتي لم تنجح لظروف المرض، وكانت ندوة الخميس الماضي عن العبقري داوود عبد السيد، ليس تأبينا، فلست من الذين يقيمون تأبينات لأحد، ولكن من في قيمة هذا الفنان العبقري لا يموت، هو فقط فارقنا بجسده فقط، ولكن إبداعاته ستظل قيمة تتناولها الأقلام والمناقشات في المحافل الثقافية، وستظل أعماله مثيرة للحوار والقضايا التي تمس المواطن..
ولد الفنان داوود عبد السيد في شبرا إلا أنه تربى وعاش في أرقى الأحياء، مصر الجديدة وسط أسرة مثقفة، فوالدته كانت مديرة مدرسة، وعمه الكاتب الكبير سامي داوود الذي كان المثل الأعلى له، يقول الناقد الكبير محمود عبد الشكور: قرأ قصة خيالية وهو طفل فأطلقت عنده الخيال، كان طفلا موهوبا، ولكن الموقف الذي كان له أثر كبير في حياته عندما ذهب إلى ستديو جلال مع ابن خالته، فتعلق بالسينما وقرر أن تكون حياته في هذا العالم السحري، وتقدم لمعهد السينما، وكان ملفتا للنظر.
يضيف عبد الشكور: أجمل ما قيل عن داوود عبد السيد ما قاله الأستاذ الكبير كمال رمزي: إن الله خلق الإنسان جسدا أولا ثم خلق له العقل، إلا أن داوود خلقه الله الأول العقل ثم خلق له الجسم! وداوود دفعة 1967، وهي الدفعة التي أصيبت بصدمة النكسة، وفي عام 1968 تم تكوين جماعة السينما الجديدة، التي كانت تمثل شيئا خاصا بالإنسان المصري.
ومن كلمات الناقد محمود عبد الشكور نرى أن هذا العبقري عانى مثل جيله بعد رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، جاء الرئيس السادات بأفكار وسياسات عكس سياسات عبد الناصر تماما، فكانت التغييرات الاجتماعية والسياسية التي أثرت على فكر داوود..
وكان أول إنتاج له فيلم قصير يحمل عنوان “وصية رجل حكيم في شئون القرية والتعليم”، هذا الفيلم كان ردا على ما تردد بمطالبة البعض بإلغاء مجانية التعليم، وبسبب هذا الفيلم تم استدعاؤه إلى أمن الدولة للتحقيق، ومن أبرز أفلامه التسجيلية عن الفنان حسن سليمان، وآخر في غاية الأهمية “عن الأنبياء والناس”، من هذا نرى ارتباطه بالناس ومهموما بكل مشاكلهم.
ويؤكد الناقد محمود عبد الشكور أن الأفلام التسعة التي أخرجها كلها علامات في تاريخ السينما العربية، بدء من الصعاليك، ويرى أن فيلم أرض الخوف هو خير تعبير عن جيل داوود عبد السيد والأحداث السياسية والاجتماعية التي عايشها، ولكن كل أعماله كانت تعبر عن المواطن البسيط.
وأكد الفنان الكبير محمود عبد السميع أنه عمل معه في أول أفلامه الصعاليك، الذي أخرجه بعد تخرجه بحوالي خمسة عشر عاما، وبسبب داوود، ورؤيته فزت بجائزتين عن هذا الفيلم، فهو يتمتع بخيال رائع غير محدود، ومن فيلم الصعاليك استطاع أن يمتلك كل حرفية الإخراج والتصوير، وإذ كان معروفا أنه مخرج عبقري إلا أنه كان عبقريا أيضا في كتابة السيناريو، كان يكتب الصورة تماما، والحقيقة أنه تفوق على كل أساتذته.
هذا النموذج الذي جلس في بيته ومعه أربعة سيناريوهات لأربعة أفلام، لم ينتبه إليه أحد، سوى اتهامه بالكسل، والحقيقة أنه فنان وله رؤية، وليس مثل أصحاب الدكاكين والتهريج السينمائي، قدم للسينما تسعة أفلام كلها تدرس، منها الصعاليك، البحث عن سيد مرزوق، سارق الفرح، أرض الأحلام، أرض الخوف، مواطن ومخبر وحرامي الذي قدم فيلما يؤكد تفكك المجتمع، الكيت كات، وهذا لا بد أن نقدمه قدوة ليس في معهد السينما فقط بل في المدارس والشباب وللحديث بقية.