النموذج الأفغاني يضرب نيويورك.. زهران ممداني يسلط الضوء على فشل النخب الأمريكية في التعامل مع مطالب الشارع.. وتحذيرات من تمرد قادم
مع شروق العام الجديد 2026، تأهبت شوارع نيويورك لمشهد لم تعرفه المدينة منذ عقود، حيث اعتلى الشاب ذو أصول هندية، والمولود في كمبالا الأوغندية، زهران ممداني صدارة المشهد مؤديًا اليمين الدستورية كعمدة لمدينة نيويورك، وسط ترقب نخب السلطة الأمريكية وحيرة مؤسساتها الحاكمة.
وفي قلب هذا الانقسام بين توقعات الناخبين ومقاييس النخبة، يبرز سؤال كبير: هل تقبل نخب الحكم الأمريكية أن ترى نجاح ممداني كما يراه الناس، أم ستبقى محتمية بمقاييس لا ترى فيها -ولا تسمع منها- إلا ما يسرها؟
ممداني يكسر القواعد المألوفة
وبين الدروس المستقاة من أفغانستان وتجارب الماضي، يقف ممداني على مفترق طرق ما بين قدرته على الوفاء بوعوده، وشجاعة النخب الأمريكية الحاكمة في الاعتراف بالواقع الجديد، وفق مقال رأي كتبه المحلل الجيوسياسي والذي عمل في أفغانستان لعدة سنوات بين 2006 و2016 براخار شارما.
يقول شارما في المقال الذي نشره موقع “ذا ناشيونال إنترست”: لم تفشل النخبة السياسية الحاكمة في نيويورك في التنبؤ بصعود ممداني، بل رفضت ببساطة تصديق ذلك، على الرغم من أن المؤشرات كانت واضحة منذ أشهر من خلال استطلاعات الرأي وانجذاب الناخبين لرسالته التي كسرت كل القواعد المألوفة.
النموذج الأفغاني يتكرر في الولايات المتحدة
يضيف الكاتب: عندما عملت في أفغانستان لعدة سنوات بين عامي 2006 و2016، لم تكن المشكلة نقص البيانات، فقد أظهرت التقارير التي ظهرت في عام 2015 أن 33% من الجنود الأفغان كانوا يتهربون من الخدمة العسكرية سنويًّا، واطمأن البنتاجون إلى مزاعم بوجود جيش أفغاني قوامه 352 ألف جندي، في حين اعترف قادة محليون بأن كثيرين منهم مجرد أسماء وهمية. واختفت خرائط المكاسب الجغرافية التي حققتها طالبان؛ وتعمد المسؤولون الأفغان طمأنة واشنطن برسائل تريد سماعها، حتى لو كانت تعتد على مؤشرات أداء اعتباطية لا على الواقع؛ فالمهم أن تبقى خزائن التمويل الأمريكية مفتوحة.
ويستطرد: كان يجري تسجيل الخطر الأفغاني من كل زاوية، لكن النخب الأمريكية الحاكمة تجاهلت التحذيرات التي تتناقض مع ما كانت تحتاج إلى تصديقه. وعندما سقطت كابول بيد طالبان عام 2021، بدا الانهيار مفاجئا فقط لمن رفضوا قراءة الإشارات، والتي رأوا أنها تهدد مصالح وسمعة كثيرين.
مؤسسات الحكم الأمريكية افتقدت شجاعة الاعتراف بقوة ممداني
ويتابع: كررت المؤسسات الحاكمة في نيويورك نفس النهج مع ممداني. كانت مؤشرات فوزه واضحة، لكن تلك المؤسسات لم يكن لديها شجاعة الاعتراف بتلك المؤشرات؛ لأن دعمه كان سيغضب المتبرعين، وتأييده كان سيقلق حلفاء قطاع العقارات. والاعتراف بقوته كان سيفرض الإقرار بأن التحالف الذي شيدوه ومولوه بالثروة لم يعد يحظى بولاء الطبقة العاملة.
لقد جرى التقليل من شأن حملة ممداني بوصفها هامشية، وطمأن بعضهم بعضا بأن الناخبين لن يختاروا شخصًا بعيدًا إلى هذا الحد عن التيار السائد. وعندما أصبحت الإشارات لا يمكن إنكارها، اكتشفت النخبة الأمريكية الحاكمة الفجوة المتسعة بين أداء النخب وواقع الناخبين، وفق الكاتب.
وبحسب المقال، فهم ممداني أن النظام الحاكم لم يعد يعمل لصالح معظم سكان نيويورك، وأن تكاليف السكن وإمكانية الوصول إليه أصبحت استغلالية، وأن الحراك الاجتماعي أصبح نكتة قاسية لمن لا يملكون الثروة أو لا ينتمون إلى عوالم التكنولوجيا والمال الضيقة.
ويربط الكاتب بين المشهدين الأمريكي والأفغاني قائلًا: في أفغانستان كان الجنود الأفغان يعلنون ولاء لا يشعرون به، والمسؤولون الأفغان يزعمون أن المواطنين يشاركون في طقوس ديمقراطية لطالما فقدوا الإيمان بها. وهو النهج ذاته الذي اتبعته النخب الحاكمة في نيويورك.
كيف يمكن قياس نجاح أو فشل زهران ممداني؟
تترقب المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة أي تعثر لممداني. وستقيس نجاحه عبر الأدوات التقليدية مثل أرقام الاستطلاعات، ورضا المتبرعين، والتغطية الإعلامية، وقدرته على التعامل مع آليات حكومة المدينة؛ وهي مؤشرات تقيس عوامل حقيقية للنجاح أو الفشل السياسي. لكنها لا تقيس كل شيء. فهي تخبرك إن كان ممداني يؤدي اللعبة بنجاح، لكنها لا تقيس تحقيقه مطالب ناخبيه.
ويمضي شارما قائلًا: بحسب ما تعلمته في أفغانستان، فإن قياس نجاح ممداني يجب أن يعتمد “الثقة بديلًا عن الرضا”، فالمهم في النهاية هو ثقة الناخبين بأن الحكومة تفهم معاناتهم، وتتحرك من أجلهم؛ كما يجب أن يعتمد أيضا على “الاستجابة بدل الإجراء”، ويقصد بالإجراء عقد الاجتماعات، وانعقاد المجالس، وإجراء الانتخابات فيما يشبه “الأداء على خشبة المسرح”؛ أما الاستجابة فهي انتقال حقيقي للقوة بحيث يشعر الناخبون أن حكومتهم تستمع لهم وتستجيب لما يقولون.
أما الأمر الثالث فيتعلق بـ"الخدمات المقدمة لا المعلن عنها"، بحيث تتحول البرامج المعلن عنها إلى تنفيذ واقعي؛ ففي ولاية فراه بأفغانستان، زرت مرة عيادة صحية كانت مجرد لوحة على مبنى. والأمر نفسه تكرر كثيرًا في نيويورك ذات الطبيعة الخاصة، حيث يجري الإعلان في مؤتمرات صحفية عن مبادرات لا تصل أبدًا إلى الأحياء التي يفترض أن تخدمها، كأن الإعلان هو الإنجاز!
الاختبار الحقيقي لمدينة نيويورك
فاز ممداني برفضه ممارسة اللعبة التي صممتها المؤسسة الحاكمة. فقد اختاره ناخبوه لأنهم سئموا سياسيين لا يوفرون لهم العدالة. ومن هنا يأتي دور ممداني في توفير السكن الميسر، والنقل، والخدمات العامة، والأمان الذي وعد به.
لكن اختبارات ممداني لن تقف عند حدود ناخبيه، وإنما ستمتد إلى نخب السلطة الأمريكية الحاكمة؛ فإذا نجح ممداني في تحقيق طموحات سكان نيويورك العاديين، وفشل في الوفاء بمؤشرات تلك النخب، فهل ستعترف المؤسسات الحاكمة بنجاحه؟ أم ستبالغ في نتائج الاستطلاعات المناهضة له، وانسحاب المتبرعين، والنقد الإعلامي، وتعلن فشله، بينما تشعر الأحياء التي يخدمها أخيرا بأن هناك من يرى ويتابع أحلامها ويحقق طموحاتها؟
المتمرد الأمريكي القادم قد يكون أسوأ
يقول شارما: لقد شاهدت هذا من قبل في أفغانستان؛ حيث تعمدت النخب قياس ما يسهل قياسه وأغفلت الجوانب المهمة. واتسعت الفجوة بين المؤشرات والواقع. وفي نيويورك، قد تتكرر الفجوة نفسها، بحيث تقيس النخب شيئا بينما يعيش الناس شيئا آخر.
ويختتم الكاتب مقاله قائلًا: الخطر على نيويورك ليس فشل ممداني، بل نجاحه وفق مقاييس الشارع، وفشله في مؤشرات النخب الحاكمة. وإذا حدث ذلك، فإن المتمرد القادم لن يكون شخصًا يشخص المشكلات بوضوح مثل ممداني، بل قد يكون أخطر بكثير. وستبقى المؤسسات الحاكمة غير قادرة على رؤية ذلك المتمرد القادم من بعيد.