أفضل مذيع.. أسئلة الثقة الغائبة في إعلامنا!
مع مطلع عام جديد، لا تكتمل مراجعة الذات دون التوقف أمام أحد أخطر مؤثرات الوعي العام: الإعلام.
فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل شريك في تشكيل الإدراك، وتحديد ما يُرى وما يُهمَّش، وما يُطرح بوصفه حقيقة أو رأيًا. ومن هنا يتجدد سؤال يتردد بقوة في الفضاء الرقمي: من هو أفضل مذيع أو إعلامي في مصر؟ وبأي معايير يُمنح هذا اللقب أو يُسحب؟
اللافت أن هذا السؤال لم يعد يُجاب عنه من داخل المؤسسات، بل من خلال جمهور واسع على منصات التواصل الاجتماعي، جمهور لم يعد يكتفي بالشكل أو الحضور، بل بات أكثر اهتمامًا بطبيعة الخطاب وأسلوب التناول. الأفضلية، في نظر كثيرين، لم تعد مرتبطة بالصوت الأعلى أو الموقف الأشد، بل بالقدرة على التحليل، وترك مساحة للعقل، واحترام حق الاختلاف.
في هذا السياق، تبرز أسماء إعلاميين في صدارة المشهد مثل أحمد موسى ونشأت الديهي وعمرو أديب، بوصفهم نماذج تعكس حالة الإعلام أكثر مما تختزلها. فهم يحظون بانتشار واسع وتأثير واضح، لكنهم في الوقت ذاته محور جدل دائم بين مؤيد يرى في خطابهم حسمًا ووضوحًا، ومعارض يشعر بأن هذا الخطاب يضيق بالأسئلة ويختزل الواقع في زوايا محددة.
هذا الانقسام لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يرتبط بنموذج إعلامي يقوم على اليقين الجاهز أكثر مما يقوم على النقاش المفتوح.
ومع تطور وعي الجمهور، أصبح هذا النموذج محل مساءلة. فالتأثير لم يعد يُقاس فقط بصدارة المشهد، بل بقدرة الإعلامي على بناء ثقة طويلة الأمد. الإعلامي قد يظل حاضرًا بقوة، لكنه إن فقد جسور التواصل مع جمهوره، تحوّل حضوره من قوة دفع إلى حالة إنهاك للوسيلة الإعلامية ذاتها.
الأزمة، في جوهرها، لا تتوقف عند أسماء بعينها، بل تمتد إلى منظومة كاملة لم تنجح محاولات تطويرها، رغم ما أُعلن عنه من لجان وهيئات، في إحداث تحول ملموس في مضمون الخطاب أو معاييره المهنية. وهو ما عمّق الفجوة بين الإعلام وجمهوره، ودفع قطاعات واسعة للبحث عن بدائل خارج الإطار التقليدي.
ومع استقبال عام جديد، يصبح السؤال الحقيقي أقل ارتباطًا بـ أفضل مذيع، وأكثر اتصالًا بـ أفضل إعلام: إعلام يعيد الاعتبار للعقل والمعرفة، ويوازن بين المسؤولية والحرية، ويستبدل منطق الاستقطاب بمنطق الإقناع، ويصغي بقدر ما يتحدث.
ويبقى التساؤل مفتوحًا: هل يقرأ إعلاميون مثل أحمد موسى ونشأت الديهي وعمرو أديب ما يكتبه عنهم الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي؟ وهل تمثل هذه الآراء لهم مساحة للمراجعة وإعادة التفكير؟ أم أن البقاء في صدارة المشهد كافٍ، سواء قوبل خطابهم بالقبول أو بالنفور؟
أسئلة لا تستهدف أشخاصًا، بقدر ما تضع تجربة إعلامية كاملة أمام اختبار جاد: إما أن تُجدد خطابها وتستعيد ثقة جمهورها، أو تواصل الحديث في فضاء لم يعد يصغي كما كان.