قراءة تحليلية لرسائل وزير الخارجية الإيراني لـ"ترامب".. سياساتكم تستند إلى أساطير إسرائيلية.. الشعب الأمريكي يسدد فواتير نتنياهو البيضاء.. ماضون في برنامجنا النووي.. وفرق كبير بين التفاوض والاستسلام
ست رسائل أساسية بعث بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقال نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية بتاريخ 30 ديسمبر 2025، أولها التأكيد على أن السياسات الإسرائيلية بقيادة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، المطلوب بالمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية لارتكاب جرائم حرب في غزة، جرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى دائرة الصراع مع إيران، ما يمثل تهديدا للمنطقة كلها.
أما الرسالة الثانية، فتمثلت في تأكيد عراقجي على أن سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط غالبا ما تستند إلى أساطير إسرائيلية، مثل تصويرها لنفسها كدولة "لا تقهر" أو دولة غير قابلة للانكسار، مشيرا إلى أن الشعب الأمريكي هو من يسدد فواتير تلك الأساطير والتي باتت تضعف مصداقية واشنطن سواء إقليميا أو دوليا.
وتتمثل الرسالة الثالثة في إظهار قوة العمق الإيراني الاستراتيجي، مشيرا إلى مساحة إيران التي تعادل غرب أوروبا، وعدد سكانها البالغ عشرة أضعاف سكان إسرائيل، قلل كثيرا من تداعيات العدوان الإسرائيلي على الأراضي الإيرانية.
فيما أكدت الرسالة الرابعة على فكرة أن إيران لا تسعى للحرب، بل ترغب في حل النزاع عبر الدبلوماسية، مع التأكيد على أن التفاوض بين واشنطن وطهران يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل وليس على شروط استسلام مفروضة، مضيفا أن الفرصة متاحة لكنها تتطلب شجاعة سياسية.
وركز عراقجي في رسالته الخامسة على موقف إيران من البرنامج النووي، مشددا على أن طهران لا تسعى للأسلحة النووية، وإنما تسعى للحصول على حقوقها المشروعة في التكنولوجيا النووية السلمية.
ودعا وزير الخارجية الإيرانية –في رسالته السادسة- الولايات المتحدة للابتعاد عن سياسة الصراع، واغتنام الفرصة لكسر دورة التصعيد والعنف، وإعلاء لغة الحوار والدبلوماسية كخيار أمثل لتحقيق استقرار طويل الأمد حيث يقول عراقجي في نص مقاله:
بينما حقق بنيامين نتنياهو في وقت سابق من العام 2025 حلمه بإدخال الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مع إيران، إلا أن ذلك جاء بتكلفة باهظة وغير مسبوقة بالنسبة لإسرائيل. ومع رؤية نتنياهو يطلب من دونالد ترامب التدخل لإنقاذه من مأزق، بدأ عدد متزايد من الأمريكيين يعترف علنا بأن إسرائيل ليست حليفا، بل عبئا.
وأردف: في سبتمبر 2025، توصل حلفاء الولايات المتحدة العرب أيضا إلى الاستنتاج الذي لطالما شددنا عليه نحن الإيرانيين وهو أن تهور إسرائيل يشكل تهديدا للجميع.
واشنطن وشيكات إسرائيل البيضاء
ويضيف: هذه الحقيقة تمهد الطريق لعلاقات جديدة قد تغير وجه المنطقة؛ حيث تواجه الإدارة الأمريكية الآن معضلة؛ إما الاستمرار في إصدار شيكات بيضاء لإسرائيل باستخدام أموال دافعي الضرائب ومصداقية الولايات المتحدة، أو أن تكون جزءا من تغيير جذري نحو الأفضل.
ويتابع: لعقود، تشكلت السياسة الغربية تجاه منطقتنا أساسا من أساطير نشأت في إسرائيل. وكانت الحرب في يونيو 2025 محورية لعدة أسباب، أبرزها كشفها تكلفة الخطأ في تحويل الأسطورة إلى استراتيجية؛ حيث تدعي إسرائيل ووكلاؤها "نصرا حاسما"، مع إبقاء إيران ضعيفة ومرعوبة.
تحطم صناعة الأساطير الإسرائيلية
واستطرد: مع ذلك، فإن عمقنا الاستراتيجي الكبير -إذ تغطي بلادنا مساحة تعادل غرب أوروبا ويبلغ عدد سكانها عشرة أضعاف سكان إسرائيل- جعل معظم محافظاتنا غير متأثرة بالعدوان الإسرائيلي. وفي المقابل، اختبر جميع الإسرائيليين قوة جيشنا. لقد تحطمت رواية "اللاانكسار"، وهي محور آلة صناعة الأساطير الإسرائيلية، بحسب عراقجي.
ويقول: تشكل الأزمة المصطنعة حول البرنامج النووي الإيراني نموذجا لكيفية استخدام الخيال الذي تصنعه تل أبيب ويروج له وكلاؤها لإشعال صراعات لا داعي لها. لقد أكدنا نحن الإيرانيين لعقود أننا لا نسعى لامتلاك أسلحة نووية. وهذه ليست مجرد ادعاءات تكتيكية، بل عقيدة استراتيجية قائمة على اعتبارات دينية وأخلاقية وأمنية.
مقاومة إيرانية قصوى في مواجهة الضغط الأمريكي الأقصى
يضيف وزير الخارجية الإيراني: ومع ذلك، خلال ولاية الرئيس ترامب الأولى، انخدعت الإدارة الأمريكية بالاعتقاد بأن إيران تقترب من الانهيار، وأن الاتفاق النووي لعام 2015 يشكل شريان حياة لنا، وأن التخلي عنه سيجبرنا على الاستسلام سريعا. هذه الأساطير دفعت واشنطن إلى التخلي عن إطار دبلوماسي فعال لصالح سياسة "الضغط الأقصى"، التي أنتجت فقط "المقاومة القصوى".
السرديات الإسرائيلية تستنزف موارد واشنطن
وواصل: عدد متزايد من الأمريكيين -خصوصا من يسعون لإعادة بناء الداخل الأمريكي- يعترفون الآن علنا بما كان يعتبر سابقا من المحرمات، وهو أن القبول بالسرديات الإسرائيلية استنزف الموارد الأمريكية، وأضعف مصداقية الولايات المتحدة، وأدخلها في صراعات لا تخدم مصالحها. فخلال العامين الماضيين، قتلت تل أبيب عشرات الآلاف من الفلسطينيين الأبرياء في غزة، وهاجمت لبنان وسوريا وإيران واليمن وحتى قطر. وتعرضت تقريبا جميع دول المنطقة الأخرى للتهديد. ولا يصف أي شخص مسؤول هذا العدوان بأنه "دفاع عن النفس".
وهناك جانب إيجابي آخر تمثل في الدفع الجديد في منطقتنا لتجميع الجهود لاحتواء التهديد الإسرائيلي مشترك. وقد وضع ذلك المسمار الأخير في نعش ما يسمى بـ"اتفاقيات إبراهيم" وفتح الباب أمام تعاون جديد وغير مسبوق، بحسب عراقجي.
التفاوض يختلف عن شروط الاستسلام
ويمضي وزير الخارجية الإيراني قائلا: لقد جرى إبلاغي بوجود استعداد غير مسبوق بين الأصدقاء المشتركين لإيران والولايات المتحدة لتسهيل الحوار وضمان التنفيذ الكامل والقابل للتحقق لأي نتيجة متفق عليها. ويبدو ذلك واعدا. وعلى الرغم من هجوم إسرائيل على الدبلوماسية خلال مفاوضات الملف النووي الإيراني-الأمريكي، تظل إيران منفتحة على اتفاق يقوم على الاحترام والمصلحة المتبادلة.
ويتابع: يعتمد ذلك على قبول الولايات المتحدة فكرة أن التفاوض يختلف عن فرض شروط الاستسلام. وشعبنا يدرك جيدا أن الرئيس ترامب ليس أول رئيس أمريكي يهاجمنا، وقد شهد تجارب كارثية مع الولايات المتحدة. وإذا أراد ترامب كسب ثقتهم والوفاء بتعهداته لمؤيديه في الداخل، فعليه القيام بما لم يحققه أي من أسلافه وهو إنهاء أزمة غير ضرورية عبر السعي للسلام والدبلوماسية. والخطوة الأولى هي مخاطبة الشعب الإيراني بلغة احترام، دون قيد أو شرط.
طهران لا ترغب في حرب ضد الولايات المتحدة
وبحسب نص المقال، يقول عراقجي: لم ترغب إيران أبدا في حرب مع الولايات المتحدة، وضبط النفس الذي أبداه قادتنا في يونيو -وهو السبب الوحيد لبقاء المنشآت العسكرية الأمريكية في منطقتنا سليمة- يثبت ذلك. ولا ينبغي تفسير هذا الضبط على أنه ضعف أو استمرارية بلا نهاية.
الحظ يحالف الشجعان
ويضيف: يجب أن يعرف العالم أيضا أن الإيرانيين لن يتخلوا عن حقوقهم. وتشمل هذه الحقوق، التي يتمتع بها جميع الموقعين على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، الوصول إلى جميع جوانب التكنولوجيا النووية السلمية. ونحن الإيرانيون لا نخشى إجراء مفاوضات جادة لتحقيق اتفاق عادل. ويجب أن يتضمن مثل هذا الاتفاق رفع العقوبات بشكل ملموس وقابل للتحقق. والتغييرات التي تشهدها منطقتنا قد تتيح تنفيذ هذه التفاهمات بطريقة جديدة كليا.
ويختتم عراقجي نص مقاله قائلا: بالنسبة لأولئك المستعدين للذهاب إلى حيث لم يذهب أحد من قبل، هناك نافذة قصيرة من الفرص؛ فالحظ يحالف الشجعان، ويتطلب الأمر شجاعة أكبر بكثير لكسر دورة شر من مجرد الاستمرار فيها.