أوروبا تواجه خريطة تهديدات إرهابية معقدة في 2026.. تصاعد هجمات الذئاب المنفردة.. تطور أساليب الإرهاب الهجين.. وشبكات إجرامية تستعين بالذكاء الاصطناعي لنشر التطرف والتجنيد الرقمي
في ظل عالم مضطرب تتشابك فيه الصراعات الإقليمية مع الثورة الرقمية، تواجه أوروبا في عام 2026 خريطة تهديدات إرهابية أكثر تعقيدا وتنوعا من أي وقت مضى، وفق تقرير استشرافي صادر عن "المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات- ألمانيا وهولندا".
ويكشف التقرير عن تحولات نوعية في طبيعة الإرهاب، حيث يتقاطع التطرف العنيف مع الجريمة المنظمة، والحرب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، لتتشكل بيئة أمنية هشة تتطلب استجابات غير تقليدية وتعاونا عابًا للحدود.
يقول المركز في تقرير نشره عبر موقعه الإلكتروني: إن عامي 2024 و2025 شهدا استمرارا واضحا لتمركز العنف الإرهابي في مناطق النزاعات الممتدة. إذ تتركز غالبية وفيات الضحايا والمقاتلين في بؤر الصراع التقليدية وهي الشرق الأوسط، والساحل الإفريقي، وشمال نيجيريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، إضافة إلى مناطق من شرق وجنوب آسيا.
ويؤكد المركز أنه "على الرغم من تراجع السيطرة الإقليمية لتنظيم داعش، إلا أنه كان الأكثر فتكا عالميا؛ حيث حافظ على قدرته في إدارة فروعه في غرب إفريقيا، وشرق الكونغو؛ فيما اصبح تنظيم داعش في خراسان محور اهتمام أوروبي، نظرا لقدرته على تنفيذ عمليات خارجية، ودوره المتنامي في استقطاب عناصر جديدة عبر الفضاء الرقمي.
شبكات إجرامية تدير التطرف الرقمي
ورصد التقرير أهم الآثار المباشرة لاستمرار العنف في تلك المناطق على الأمن الأوروبي خلال عام 2026، وهي زيادة تدفقات المقاتلين الأجانب، واللوجستيات العابرة للحدود؛ حيث أصبحت عمليات تهريب السلاح والبشر والمال أكثر مرونة بفضل شبكات إجرامية تدير عمليات نقل معقدة عبر المتوسط والبلقان.

ومن المرجح تزايد التجنيد الرقمي خلال عام 2026، حيث تنتج المناطق الملتهبة محتوى دعائي مستمر يستخدمه المتطرفون لاستقطاب العناصر داخل أوروبا، خاصة بين المراهقين والذي ينعكس في صورة التطرف الرقمي، والاستعانة بالذكاء الاصطناعي في عمليات التجنيد.
ويؤكد المركز في تقريره أن صعوبة مراقبة النشاط الإرهابي الرقمي في أوربا سترتفع بسبب الانتقال المتزايد لمنصات مشفرة ومغلقة، واستخدام غرف محادثة صغيرة ذات طبيعة غير مركزية.
الذئاب المنفردة في تزايد مستمر
تشير الإحصائيات الأوروبية الأخيرة إلى ارتفاع الهجمات المنفردة من خلال اللجوء إلى وسائل بسيطة مثل الطعن بالسكاكين، أو عمليات الدهس؛ حيث أصبحت "الهجمات منخفضة التعقيد" هي السمة الغالبة للعمليات الإرهابية المتوقع أن تشهدها أوروبا في 2026، مؤكدة أن 93% من الهجمات الإرهابية التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الخمس الماضية نفذها أفراد منفردون.
ويضيف: تشير تقارير الاستخبارات الألمانية والفرنسية إلى أن كثيرا من منفذي عمليات 2023– 2025 كانوا أشخاصا غير معروفين للأجهزة الأمنية، فيما سجل المشهد الأوروبي نمطا لافتا تمثل في نمو التطرف اليميني بموازاة استمرار خطر "الجهاديين"؛ وتقف أوروبا الآن أمام مشهد لا يضم فاعلا واحدا، بل عدة أطياف في نفس الوقت هم "جهاديون متأثرون بخراسان وبقايا داعش"، ومتطرفون يمينيون معزولون، ومتطرفون يساريون أو فوضويون في بعض الدول؛ ما يجعل محاربة التطرف والإرهاب أكثر تعقيدا خلال 2026.

ولدى هجمات الذئاب المنفردة تأثير عميق؛ إذ إن عشوائية هذه الهجمات وعدم القدرة على التنبؤ بها يخلقان شعورا عاما بالخوف، بحيث يشعر المواطنون بأن أي شخص، في أي مكان، قد يكون هدفا.
التهديد الهجين.. تقاطع الإرهاب مع الحروب والنزاعات الدولية
تطور مفهوم التهديد الإرهابي في أوروبا ليتداخل مع عناصر حرب المعلومات، والحرب السيبرانية، والجريمة المنظمة؛ وهذا ما تسميه المؤسسات الأوروبية بـ"التهديد الهجين".
وبحسب التقرير، تتخوف دول الاتحاد الأوروبي من سيناريوهات تشمل هجمات على شبكات الكهرباء أو المياه، استهداف البنية التحتية الرقمي، وهجمات فدية تقودها شبكات إجرامية؛ إذ أصبحت شبكات الجريمة المنظمة شريكا غير مباشر لجماعات متطرفة عبر تهريب البشر، وغسيل الأموال، وتهريب الأسلحة صغيرة؛ فيما أصبح التهديد الإرهابي في أوروبا خليطا بين دوافع أيديولوجية وأدوات إجرامية.
الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في عمليات التجنيد
بات بالإمكان عبر أدوات الذكاء الاصطناعي تحليل أنماط حركة هدف معين بدقة كبيرة، والحصول على خرائط وبيانات تخطيطية، وإنتاج مواد دعائية مقنعة مثل مقاطع "التزييف العميق"، وتصميم مخططات مبسطة لصناعة أدوات أو تنفيذ هجمات دون الحاجة لخبرة تقنية واسعة.
ورغم أن أوروبا تبنت بروتوكولات للحد من هذه المخاطر، إلا أن السرعة الهائلة لتطور التكنولوجيا تجعل من السيطرة الكاملة عليها أمرا بالغ الصعوبة خلال عام 2026، ما يفتح الباب أمام فاعلين جدد يمتلكون قدرات شبه احترافية، ويمكنهم تركيز سرديتهم المشحونة بالعاطفة لاستقطاب الشباب والمراهقين، وخصوصا في الفئة العمرية بين 14 إلى 20 عاما.
وبحب تقارير أوروبية، فإن حوالي ثلثي الاعتقالات المرتبطة بتنظيم "داعش" في أوروبا في عام 2024 شملت مراهقين؛ فيما أصبح (واحد من كل خمسة) المملكة المتحدة مشتبه بهم بالإرهاب دون سن الثامنة عشرة، ولوحظت أنماط مماثلة في النمسا وفرنسا.
التحديات الإرهابية المتصاعدة داخل أوروبا 2026
سوف تشكل ظاهرة الإرهاب والتطرف خلال عام 2026 أحد التحديات الأمنية الجوهرية التي تواجه أوروبا، والذي يتخذ أشكالا متنوعة، مثل الإرهاب الإسلامي، واليمين المتطرف في أوروبا، والذي تستغل عناصره التكنولوجيا الحديثة، مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة أسلحة، ومنصات الإنترنت لنشر الدعاية والتجنيد؛ إضافة إلى التطرف اليساري الذي يتركز في دول مثل إيطاليا واليونان وفرنسا، واتخذ شكل حرائق وتخريب منشآت صناعية وتجارية وبنية تحتية، باعتبارها أهدافًا رمزية تضرب الاقتصاد وتلفت الانتباه لقضايا تلك الجماعات.
مستويات تاريخية لهجمات برامج الفدية
بلغت هجمات برامج الفدية في أوروبا مستويات تاريخية؛ حيث سجل أكثر من 2100 ضحية في جميع أنحاء أوروبا تعرضهم للابتزاز من خلال تسريب بياناتهم الشخصية؛ وكانت المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا أكثر الدول استهدافا، حيث شملت 92% من الحالات تشفير الملفات وسرقة البيانات.
وبحسب التقرير، فإن هذه الهجمات لا تستهدف الأفراد فقط، بل الشركات والمؤسسات الكبرى، ما يؤدي إلى خسائر مالية، وربما تلف سمعة أو بيانات حساسة.
ومن المحتمل جدا، أن تعدل المنظمات الإرهابية والمتطرفون المنفردون استراتيجياتهم خلال عام 2026 بشكل متكرر استجابة لتدابير مكافحة الإرهاب، مستخدمين شبكات لامركزية، وهجمات استغلالية محدودة النطاق ينفذها متطرفون منفردون، وتكتيكات حرب هجينة لتعظيم الأثر مع تجنب الكشف، وفق "المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا".
التدابير والتشريعات الواجب اعتمادها
تركز المفوضية الأوروبية خلال الفترة من 2024 وحتى 2029 على وضع خطط للأمن السيبراني ومنع التطرف العنيف من خلال "وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال إنفاذ القانون" (اليوروبول).
ويسعى الاتحاد الأوروبي مستقبلا إلى إنشاء وحدة مخصصة لدعم التحقيقات المالية وتتبع العملات المشفرة والجرائم الإلكترونية، وتكثيف تعاون "اليوروبول" مع الشركاء في منطقة شنجن والإنتربول ووكالات العدالة الداخلية مثل "فرونتكس"، لتحفيز ثقافة الابتكار في مكافحة التهديدات الأمنية.

ويقول التقرير: تعمل المفوضية على دعم وكالة فرونتكس بزيادة عدد حرس الحدود ثلاث مرات ليبلغ 30 ألف فرد، مع تزويد الوكالة بتقنيات متطورة للمراقبة؛ إضافة إلى مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
شراكات تقنية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والساحل الأفريقي
ويضيف: ستقدم المفوضية في العام 2026 حزمة تشريعات لتطوير أدوات مواجهة التهديدات السيبرانية والإرهاب العابر للحدود. وستدخل أجزاء من تشريعات مثل قانون الذكاء الاصطناعي وتشريعات الهوية الرقمية، مما يؤثر على أدوات التحليل والمصداقية في قضايا الإرهاب.
ويجهز الاتحاد الأوروبي مبادرات قارية للتصدي لاستخدام الطائرات المسيرة من قبل الجماعات المتطرفة، ومن بينها مبادرة دفاعية للأمن ونشر أنظمة مضادة للمسيرات حول المرافق حيوية بحلول العام 2026، بحيث تشمل تطبيق أنظمة تعرف وتتبع، وقدرات تعطيل، ورادارات كشف مبكرة، ويستهدف بناء شراكات مع دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والساحل الأفريقي، لرفع قدرات الشرطة والعدالة الجنائية على مواجهة الذئاب المنفردة والجماعات المسلحة، بما يضمن مكافحة التمويل العابر للحدود.