مصطفى بركات يكتب: أين هي الصحافة التي يريد الدكتور مدبولي ردعها بالغرامات؟!
لا شك أن الصحافة سلاح ناعم من أسلحة الدولة، تقف إلى جوار الوطن في المعارك لا ضده، وعندما تتحدث عن مخالفات، تمارس دورها الرقابي في المجتمع الذي خُلقت من أجله لمعاونة أجهزة الدولة في المحاسبة والإصلاح، لم تُضبط الصحافة أو الصحفيون المصريون يومًا عبر التاريخ بتهمة التورط في التآمر على البلاد أو العباد.
رسالة الصحافة في المجتمع
ورسالة الصحافة الصادقة كمرآة لقضايا المجتمع منحتها شرعية شعبية قبل أن تحصنها الدساتير بمواد قانونية، وهنا نتقبس مقولة الإمبراطور نابليون الأول: "الصحافة ركن من أعظم الأركان التي تُشيَّد عليها دعائم الحضارة والعمران".
نعود إلى الحديث عن تحركات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، لمواجهة الشائعات وهو حقه ويملك من الأدوات ما يمكنه من خوض هذه المواجهة متسلحا بقوانين وتشريعات سوف تمر بدون نقاش في الدورة البرلمانية القادمة لمجلس نواب لا يعلم حاله إلا الله.
تغليظ الغرامات على الأخبار الكاذبة
الدكتور مدبولي، دعا في اجتماعاته وتصريحاته إلى تغليظ الغرامات المالية على الأخبار الكاذبة على حد وصفه، معتبرًا الغرامة الكبيرة أداة ردع كما وصفوها، صحيح أنه لطَّف التصريح بالتعبير عن احترام الصحافة والصحفيين والحديث عن الحرية المهنية المكفولة فى الدستور، واستشهد بواقعة تحليل المياه المعدنية وواقعة أخرى تحمل تلميحًا لخبر الدواجن الذي تسبب في التحقيق مع الزميل الصحفي أحمد رفعت، رئيس تحرير موقع إيجيبتك، الذي فاق صداه قضية المليونير الهارب توفيق عبد الحي.
لكن هناك أمور لا بد من توضيحها للسيد رئيس الوزراء الذي عقد اجتماعًا حكوميًّا أشبه بالاجتماعات التي تسبق إعلان حالة الطوارئ، وكوني صحفيًّا أرى أن الدكتور مدبولي انتفض برجاله وقوانينه لمواجهة خصم ضعيف جسده هزيل يعاني من التقزيم والتحجيم، ويرى الفاهمون لطبيعة المهنة عالميًّا، أن الصحافة المصرية دخلت في مرحلة موت إكلينيكي، وتعيش حاليًّا على أجهزة الإنعاش تنتظر التشييع إلى مثواها الأخير.
ما يشتكيه رئيس الوزراء هو ما نشتكيه نحن أنفسنا أصحاب المهنة منه، فمنذ معاداة الحكومة للصحافة والصحفيين والتضييق على ممارسة دورهم، اشتعل فضاء السوشيال ميديا بـ الإعلاميين الجدد، حيث هناك لا رقيب ولا حساب ولا ضمير، المعيار فقط هو حجم المشاهدات واللايكات، وأرباح المنصات، مواد تحت مسمى صحافة وإعلام قريبة الشبه أو توأم سياسي لمحتوى البلوجرات، وقتها حذرت الصحافة من الغول المنفلت، واللافت أن الحكومة أسمت هذه الزمرة بـ المؤثرين وعقدت معهم اجتماعات واختصت بعضهم بالانفرادات.
الرد على الشائعات
المثير أيضًا أن اجتماع الدكتور مدبولي، انتهى إلى توصية المكاتب الإعلامية بالرد على الشائعات عقب تداولها لمحاربتها، ولم نرَ بندا في نهاية الاجتماع يوصي السادة المسؤولين أصحاب الهواتف المغلقة أو محترفي تفعيل خاصية رفض الأرقام بالرد على استفسار الصحافة والإعلام، إذا حدث لا قدر الله وحصلت صحيفة أو موقع إخباري على انفراد يستحق التدقيق.
كما كلف رئيس الوزراء بالإسراع في استكمال وإصدار مشروع قانون تنظيم تداول البيانات والمعلومات الرسمية الجاري إعداده، بالتنسيق بين وزارتي العدل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات –بيان رئاسة الوزراء- الغريب هو عدم إشراك جهة معنية بالصحافة والإعلام في اللجان التي تتشكل لتحدد مستقبلها على الأقل من باب فهم الأمور وتوعية المغيبين من أمثالي بما له وما عليه.
أخيرًا، سيادة رئيس الوزراء أرجو منك أن تطمئن، ووجه سهام معركتك للعدو الحقيقي، فلم يعد هناك صحافة في مصر وأدعوك لمطالعة ما كنا نسميه "فرشة الجرائد" لن تلحظ فارقًا في العناوين ولن تعثر على مقال رأي ينتقد أداءك، وبين السطور المشبعة برائحة الأحبار سوف تشتم نفس بيانات وزاراتك الصادرة على الفضاء الإلكتروني، كل ما أضيف عليها هو فقط صورة معالي الوزير بهدف التجميل.. وعن برامج الفضائيات حدِّث ولا حرج كلهن متشابهات لدرجة دفعت المشاهد للانشغال بهاتفه المحمول الذي يفضله عن كبار نجوم الإعلام، سيادة رئيس الوزراء بكل شفافية وصدق: أين الصحافة التي تزعجك وأين الأخبار والتقارير والتحقيقات التي تفسد الإنجازات.. لو وجدت نسخة منها أرجو من سيادتك إخباري بمكان بيعها فقد أرهقني البحث عنها منذ عقد.