طريق الندامة!
الفشخرة ليست مجرد سلوك فردي متكلف، بل هي الأب الشرعي للديون والمتاعب، وأصل كثير من الهموم التي تفتك بالأفراد كما تفتك بالدول. فالقانون الاقتصادي لا يرحم أحدًا.. من ينفق أكثر مما يملك يفتقر، ومن يستورد أكثر مما يُصدر يختل ميزانه التجاري وتترنح عملته وتضعف قوته الاقتصادية.
حين يستهلك الفرد كل دخله أو يزيد عليه، يعيش أسير الحاجة والديون، بينما الذي يُدرك قيمة الادخار يملك مفتاح الأمان. فالادخار ليس حرمانًا، بل استثمار في الغد. والمدخرات حين تجد طريقها إلى البنوك أو المشروعات تتحول إلى تمويل، ومن التمويل تُولد المشروعات، ومن المشروعات يتولد الإنتاج، ومن الإنتاج يأتي الرخاء.
وهنا يثور التساؤل: ما رأي الشرع في هذا المنهج؟ هل يحثنا الدين على الادخار والتخطيط للمستقبل، أم يدعونا إلى الإنفاق دون حساب؟ الجواب واضح في آيات الكتاب العزيز وسنة النبي الكريم ﷺ، فالله تعالى يقول: «وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا»، وينهى عن التبذير والإسراف، ويأمر بالقصد والاعتدال.
فالادخار في ميزان الشرع ليس بُخلًا، بل حكمةٌ وتدبير، والإنفاق المنضبط عبادةٌ إذا وُجّه في مواضعه، أما البذخ فمذموم لأنه يُضعف الأفراد ويُهلك الأمم.
وماذا عن تجارب الدول حولنا؟! حين ننظر إلى الأمم التي نهضت من العدم، نرى أنها لم تفعل ذلك بالترف أو البذخ، بل بالانضباط والادخار والعمل المنظم. اليابان بعد الحرب كانت رمادًا، لكنها ادّخرت واشتغلت حتى صارت قوة صناعية تحكم العالم بجودتها.
وسنغافورة التي لا تملك موارد طبيعية، بنت ثروتها على عقل الإنسان وانضباطه المالي والإنتاجي. في المقابل، كم من دول أغرقتها الثروات وأهلكها الإسراف، لأن المال بلا وعي كالسيل الجارف، يهدم أكثر مما يبني.
هكذا تعمل قوانين الدنيا بصرامة وعدل: لا رخاء بلا عمل، ولا استقرار بلا توازن بين الدخل والإنفاق. إنها معادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحكم مصير الأفراد والأمم معًا. فهناك دائمًا سكة للسلامة وسكة للندامة، والاختيار بينهما يبدأ من لحظة وعينا بقيمة كل جنيه نصرفه، وكل خطوة نخطوها في إدارة مواردنا.