فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

يرحل الجسد ويبقى الأثر!

في خضم الحياة، نركض جميعًا خلف أمانٍ لا تنتهي، نُكدّ ونكدح كأننا مخلّدون، نخطط للغد وكأنه مضمون، وننسى أن بيننا وبين الأبدية أنفاسًا معدودة لا نعلم متى تنقطع. وما أشد قسوة اللحظة حين يفاجئنا الرحيل، فنجد أنفسنا أمام جسدٍ ساكنٍ كان بالأمس يضحك ويشاركنا الحلم والحديث. 

عندها ندرك الحقيقة التي تهرب منها القلوب: إن كل إنسان على موعدٍ حتمي مع الفراق، لا يؤخّره سلطان، ولا يدفعه مال، ولا تمنعه وسيلة.

قالوا في الأثر: “يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به”.. كلمات قصيرة، لكنها تلخّص فلسفة الوجود بأكملها. فما من حبٍّ دائم، ولا مالٍ باقٍ، ولا عمرٍ ممتد إلى الأبد، إنما هي رحلة قصيرة، تُختتم بخاتمةٍ تُحدّد المصير.

كم من وجوهٍ كانت بالأمس بيننا، رحلت وبقي ذكرها، وكم من آخرين عاشوا طويلًا لكن لم يتركوا وراءهم سوى الغبار! فالعبرة ليست بطول البقاء، بل بما يُترك بعد الفناء. إن العبرة ليست بمن سبق، بل بمن وصل..

سبق إلى العمل الصالح، إلى الصفح، إلى البذل، إلى الصدق مع الله ومع النفس. فمن سبق إلى الخير، بقي أثره نورًا بعد رحيله، ومن شغلته الدنيا عن الآخرة، مضى وترك خلفه فراغًا لا يُملأ.

وحين نتأمل الموت لا لنخافه، بل لنتّعظ به، ندرك أن العبرة بحسن الخاتمة، وأن السعادة الحقيقية ليست في أن نحيا طويلًا، بل في أن نرحل وقد أحسنّا العبور. فليت الإنسان لا ينسى أن يُحسن زاده قبل الرحيل، وأن يُصلح ما استطاع من أثره في القلوب، فحين يرحل الجسد.. لا يبقى إلا الأثر.

وهنا يحضرني مشهد مؤثر لرجل على فراش الموت وأهله حوله يبكون التفت لأبيه وقال: يا أبتاه ما الذي أبكاك فقال يا بني تذكرت فقدك وانفرادي بعدك فنظر لأمه وقال لها: وأنت يا أماه ما الذي أبكاكي قالت لتجرعي ألم ومرارة الفراق بعدك..

فنظر إلى زوجته وقال لها: ما الذي أبكاكي.. قالت: لفقد برك وحاجتي لغيرك فالتفت لأولاده وقال: وأنتم ما الذي أبكاكم قالوا: لذل اليتم والهوان من بعدك يا أبي فعندئذ نظر إليهم وبكى بكاء شديدا فقالوا له: ما الذي يبكيك قال: أبكي لأني رأيت كلا منكم يبكي على نفسه..

أما منكم من بكى لقلة زادي وطول سفري ومجعي وحيدا في التراب.. أما منكم من بكى لما ألقاه من سوء الحساب ووقوفي بين يدي رب الأرباب.. وظل ينظر بعيدا حتى فاضت روحه إلى بارئها.

فلا تبحث عن كتفٍ وقت الشدّة، بل عن قلبٍ لا يتركك لتضعف. واحذر أن تخونك صحتك، فحينها تنكشف حقيقة الأشياء ومن حولك.