دعوات تونسية لحجب مواقع «أنصار الشريعة».. التنظيم يضم 100 ألف متطرف.. ويستغل الصفحات الإلكترونية لنشر ثقافة العنف والتحريض على القتل.. ويدعو إلى «أسلمة» جميع الأنشطة في تونس
أثار صمت المصالح المختصة إزاء الدعوات التي تعالت هنا وهناك تطالب بغلق صفحات تنظيم أنصار الشريعة على شبكة التواصل الاجتماعي "فيس بوك" حفيظة آلاف التونسيين الذين ألحوا على وجوب التصدي إلى هذه المواقع والصفحات التي تنشر أطروحاتها المتطرفة وتدعو صراحة إلى العنف وتعمل على استقطاب الشباب وتجنيدهم لتنفيذ مخططاتها الإرهابية.
فقد أعاد إعلان جبهة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عن تواطؤ التنظيم إلى جانب الحكومة في اغتيال السياسيين، إلى واجهة اهتمامات الرأي العام المحلي، الدعوات المحتشمة التي كانت تتطالب بكل وجل، بحجب هذه الصفحات بعد ما لمسوه من سعي الساهرين عليها إلى التأثير على الشباب خاصة منه العاطل عن العمل الذين يتجاوز عددهم 400 ألف شاب.
وكان التونسيون قد فوجئوا منذ أكثر من شهر من إعلان وزير الداخلية تصنيف تنظيم أنصار الشريعة في تونس كتنظيم إرهابي، وهى المرة الأولى في تاريخ البلاد تكون فيه تونس" بوابة وأرض جهاد ومسرحا لعمليات إرهابية قتل فيها جنود أبرياء كانوا بصدد ملاحقة عناصر إرهابية تحصنت بجبل الشعانبي بالجنوب الشرقي للبلاد.
والحقيقة أن التونسيين الذين يدعون إلى القضاء نهائيا على هذا التنظيم، تجنيا لأخطاره، لا يعلمون أن هذه العملية صعبة إن لم نقل مستحيلة بعد الثورة وفي ظل بقايا انفلات أمني وتطور لجهاز الأمن الموازي الذي أقر وزير الداخلية وجوده صلب وزارته.
إلا أن حقوقيين أكدوا أنه بالإمكان حجب الصفحات "الجهادية المتطرفة" اعتمادا على قرار قضائي يقضي بذلك وفي ظل احترام كامل للقانون، فيما يزعم حقوقيون آخرون أن في ذلك مساسا بالحرية الشخصية وتقييدا لها وإحياء لجهاز البوليس الإلكتروني الذي كان جدا نشيطا في عهد الرئيس السابق بن على.
الذين لا يوافقون على حجب هذه المواقع المتطرفة، وهم قلة، يرون أن من حق شباب أنصار الشريعة أن تكون لهم صفات خاصة بتنظيمهم يدعون من خلالها الشباب والتونسيين جميعا إلى الانضمام إليهم، ومن حقهم التمتع بخدمات الإنترنت كأي تونسي مهما كان انتماؤه العقائدي أو الأيديولوجي، فيما يرد عليهم الداعون إلى ضرب هذه المواقع، بالقول إن حرية الفرد تنتهي حالما يمسها تصريح أو كتب أو فعل من طرف فرد آخر تكون مضرته حاصلة.
بعبارة أخرى، يعتقد التونسيون المعتدلون أن صفحات أنصار الشريعة بما فيها من دعوات مبطنة إلى ممارسة العنف، تشكل خطرا على المجتمع طالما أنها بوابة لنشر معتقداتهم الغريبة عن المجتمع التونسي، وتتعارض بالخصوص مع دعوات الاعتدال والتسامح والوسطية التي اختارتها أغلب القوى الفاعلة في الساحة المحلية، في حربها ضد الإرهاب والتطرف.
وبين موافق ومعارض، يقف أصحاب العقول الاستشرافية الذين يرون أنه من المفيد عدم حجب هذه الصفحات اقتداء بما هو معمول به في الغرب، واستنادا إلى رؤية أمنية بحتة تؤكد أن هذه المواقع إنما هى مناجم معلومات مؤكدة عن التنظيمات الإرهابية وأنشطتها وبرامجها الإجرامية وطرق عملها ووسائل استقطابها للشباب.
وأضافوا: أن إغلاق هذه المواقع سيعود بالفائدة على التنظيم ذاته حيث يصبح عمله في كنف السرية وتصعب بالتالي ملاحقة عناصره التي تعتمد وسائل حوار واتصال أخرى يستحيل معها ترصدهم بنية إفشال مخططاتهم الإرهابية.
إلا أن الواقع التونسي اليوم، يفرض على المجموعة الوطنية انتهاج سياسة واضحة حيال هذه المجموعات المسلحة التي أضحت تمثل خطرا على المجتمع التونسي المعتدل والمتفتح أصلا، واعتماد جميع السبل الكفيلة بالقضاء على هذا التنظيم المتطرف، ومن ثمة لا بد من مراقبة هذه الصفحات الجهادية عن كثب وعدم التردد في إغلاق كل صفحة تدعو إلى العنف وبث الفتنة واقتتال أفراد الشعب الواحد، في كنف احترام القانون والقضاء.
ويذكر أن تنظيم أنصار الشريعة في تونس يضم نحو 100.000 شخص أغلبهم ممن أطلق سراحهم عقب الثورة، وهم من السجناء السياسيين الإسلاميين الذين كانوا مسجونين من قبل نظام الرئيس السابق زين العابدين بن على، بما في ذلك أبو عياض التونسي، الذي سبق وشارك في تأسيس الجماعة المقاتلة التونسية مع طارق معروفي في يونيو 2000.
قام أبو عياض بتأسيس جماعة أنصار الشريعة في أواخر أبريل 2011. وقامت الجماعة بتأسيس عدة أذرع إعلامية لها بينها، مؤسسة القيروان للإعلام، وتطوير وسائل إعلام أخرى.
ووفق بعض المصادر الإعلامية فإن عدد صفحاتها على الشبكة العنكبوتية يناهز الخمسة آلاف صفحة بالتمام والكمال، مما يؤكد حرص التنظيم على نشر أطروحاته على أوسع نطاق إيمانا منه بأهمية الإنترنت في خدمة الأيديولوجيات الفكرية وإيصالها إلى أكبر عدد ممكن من الشباب المثقف.. وهو المستهدف الأول من التنظيم.
وقامت أنصار الشريعة بحملة للإفراج عن السجناء الإسلاميين، مثل عمر عبد الرحمن، وأبو قتادة والتونسيين الذين حاربوا مع تنظيم القاعدة في العراق والمحتجزين في السجون العراقية.
وكانت جماعة أنصار الشريعة حاولت عقد أول مؤتمر لها في القيروان في 2012 إلا أن الأمن تصدى لها بكل قوة مما جعلها تغير مكان الاجتماع إلى إحدى الضواحي الشعبية الفقيرة بشمال العاصمة حيث دعا فيه أبو عياض ما أسماه "أسلمة الإعلام التونسي والتعليم والسياحة والقطاعات التجارية"، وإنشاء النقابات الإسلامية لمواجهة الاتحاد العام التونسي للشغل العلماني.
وما فتئ أعضاء أنصار الشريعة يقومون بانتظام بدور في الاحتجاجات الشعبية ضد جهات أو أفراد بتهمة التجديف كما يشتبه تورطهم في عدد من حوادث العنف.
ولا يزال التونسيون يتذكرون جيدا صولات وجولات عناصر التنظيم الذين أرعبوا الناس خاصة بتورطهم الهجوم على محطة تليفزيون، خاصة على خلفية عرضها فيلم "برسبوليس" في أكتوبر 2011، وهو فيلم فيه مساس واضح بالمقدسات الإسلامية من خلال تجسيد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكذلك الهجوم على معرض فني مثير للجدل في يونيو 2012، والهجوم على السفارة الأمريكية في تونس في سبتمبر عام 2012.. إضافة إلى ما كشف عنه وزير الداخلية من تورط عناصر التنظيم في اغتيال الشهيدين بلعيد والبراهمي والثمانية جنود في جبل الشعانبي خلال شهر رمضان الماضي.
