من تصدير الخام إلى التصنيع المحلي.. هل تعيد مصر رسم خريطة استغلال ثرواتها المعدنية؟
في ظل توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة للصادرات المصرية، عاد ملف تصدير المواد الخام والمعادن دون تصنيع إلى دائرة النقاش الاقتصادي، خاصة مع تصاعد الدعوات لإعادة النظر في سياسة تصدير الثروات المعدنية والخامات الطبيعية في صورتها الأولية، بدلًا من توجيهها إلى المصانع المحلية والاستفادة منها في إنتاج منتجات نهائية أو نصف مصنعة ذات قيمة اقتصادية أعلى.
وتفتح دعوة الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية السابق، لحظر تصدير المعادن والمواد الخام غير المصنعة لمدة تصل إلى 5 سنوات بابًا للنقاش حول جدوى هذا التوجه، ومدى قدرته على دعم الصناعة الوطنية، وجذب استثمارات جديدة، وتقليل الاعتماد على استيراد المنتجات المصنعة، مقابل التحديات التي قد تواجه الشركات العاملة في أنشطة التعدين والتصدير.
خطة لوقف تصدير الخامات في صورتها الأولية
وفى وقت سابق أعلنت وزارة الصناعة عن توجهها نحو تعزيز التصنيع المحلي للخامات التعدينية، من خلال خطة تستهدف وقف تصدير الخامات في صورتها الأولية، بما يسهم في تعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية المصرية، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات الصناعية، بدلًا من تصدير المواد الخام والاستفادة من جزء محدود من عائداتها الاقتصادية.
تعميق التصنيع المحلي
وتأتي هذه التوجهات في إطار السعي إلى تعميق التصنيع المحلي، ورفع القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الخارجية، عبر التوسع في عمليات معالجة الخامات التعدينية وتحويلها إلى منتجات وسيطة أو نهائية تدخل في العديد من الصناعات، وهو ما قد يفتح المجال أمام جذب استثمارات جديدة إلى قطاع التعدين والصناعات التحويلية.

وقف تصدير الخامات التعدينية يعزز التصنيع المحلي
ومن جانبه أكد الدكتور كمال الدسوقي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، أهمية إعادة النظر في سياسات تصدير الخامات التعدينية المصرية، والتوسع في توجيه الموارد الطبيعية إلى التصنيع المحلي، بما يسهم في تعظيم القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، وتعميق الصناعة، وزيادة القدرة التنافسية للصادرات المصرية.
وأوضح الدسوقي أن تعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية والمواد الخام يمثل أحد المحاور الرئيسية لدعم التنمية الصناعية، مشيرًا إلى أن تصدير الخامات في صورتها الأولية دون إجراء عمليات تصنيع كافية عليها يؤدي إلى إهدار جزء كبير من قيمتها الاقتصادية، خاصة أن مصر تمتلك موارد طبيعية متنوعة يمكن أن تشكل قاعدة قوية لإقامة العديد من الصناعات التحويلية.
وقف تصدير الخامات التعدينية يدعم تعميق الصناعة
وأشار إلى أهمية توجه وزارة الصناعة نحو دراسة وقف تصدير عدد من الخامات التعدينية خلال الفترة المقبلة، وتوجيهها إلى التصنيع داخل السوق المحلية، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة اقتصادية من هذه الموارد، والحفاظ على المخزون الاستراتيجي منها، فضلًا عن توفير مدخلات الإنتاج اللازمة للصناعات الوطنية.
وقال الدسوقي، في تصريحات خاصة لـ«فـيتـو»: إن الدول الصناعية الكبرى تتعامل مع الخامات والموارد الطبيعية باعتبارها ثروة استراتيجية يجب الحفاظ عليها، والعمل على تعظيم العائد الاقتصادي منها من خلال التصنيع وإنتاج سلع ذات قيمة مضافة مرتفعة.
وشدد على ضرورة عدم تصدير الخامات في صورتها الأولية دون الاستفادة من فرص تصنيعها محليًا، سواء بتحويلها إلى منتجات نصف مصنعة أو منتجات نهائية قابلة للاستخدام المباشر، مؤكدًا أن زيادة القيمة الاقتصادية للخامات قبل تصديرها تضمن تحقيق عائد أكبر للاقتصاد المصري، وتدعم إقامة صناعات جديدة وتوفير المزيد من فرص العمل.
خريطة صناعية لاستغلال الثروات الطبيعية
وشدد الدسوقي على ضرورة إعداد خريطة متكاملة للخامات والموارد الطبيعية المتاحة في مصر، تتضمن تحديد حجم الاحتياطيات وأفضل الاستخدامات الصناعية لكل خام، مع إعطاء الأولوية للموارد التي تمتلك فيها مصر ميزة تنافسية، بما يساعد على توجيه الاستثمارات نحو الصناعات الأكثر قدرة على تحقيق قيمة مضافة مرتفعة.
وأكد أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على الحد من تصدير المواد الخام، وإنما يتطلب بناء منظومة صناعية متكاملة قادرة على استغلال هذه الموارد بكفاءة، وتحقيق التوازن بين توفير احتياجات المصانع المحلية والوفاء بالالتزامات التصديرية، بما يسهم في زيادة الإنتاج والتشغيل وتعزيز مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي.

الرمال البيضاء والرخام والفوسفات
وأوضح عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات أن مصر تمتلك مجموعة متنوعة من الخامات التعدينية المهمة، من بينها الرمال البيضاء والرمال العادية والرخام والجرانيت والفوسفات، وغيرها من الموارد التي تمتلك فرصًا واعدة للتصنيع وإقامة صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة مرتفعة.
وأضاف أن التوسع في تصنيع هذه الخامات محليًا من شأنه أن يفتح المجال أمام إنتاج منتجات وسيطة ونهائية قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلية والمنافسة في الأسواق الخارجية، بدلًا من تصدير المواد الأولية واستيراد منتجات مصنعة منها بتكلفة أعلى.
ولفت إلى أن مختلف دول العالم تتجه إلى حماية مواردها التعدينية، خاصة المعادن النادرة، من خلال تطبيق ضرائب واشتراطات وقيود على تصدير بعض الخامات، بهدف الحفاظ على مواردها وتعظيم الاستفادة الصناعية منها.

الصناعة تخطط لوقف تصدير بعض الخامات التعدينية تدريجيًا
وفي السياق نفسه، كان المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، قد أكد في تصريحات سابقة أن الوزارة تخطط لوقف تصدير خامات عدد من الصناعات التعدينية تدريجيًا، مع توجيهها إلى التصنيع المحلي، بهدف تعظيم القيمة المضافة للموارد الطبيعية، وتعميق التصنيع، وتوسيع قاعدة الصناعات المغذية.
ويأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية تستهدف الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصدير المنتجات المصنعة، بما يعزز الاستفادة من الثروات التعدينية المصرية، ويدعم بناء قاعدة صناعية أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.
